الرئيسية / الحوكمة / السياسات العامة / الأمن القومي في ظل الانتقال الديمقراطي : قانون مكافحة الإرهاب نموذجا

الأمن القومي في ظل الانتقال الديمقراطي : قانون مكافحة الإرهاب نموذجا

مثل تاريخ ال 11 من سبتمبر 2001 منعرجا دوليا في سياسة الأمن القومي عبر خلق آلية جيو-استراتجية  جديدة تمثلت في “الحرب على الإرهاب”. مما سهل على حكام الدكتاتورية  التحجج بالمساهمة في المجهود الدولي لمكافحة الإرهاب و تطويعها لإقصاء معارضيهم بتهم كيدية .

إلا أن هذه الحرب, وعلى غموض معالمها,سرعان ما تخلت عن المصطلح الأول [1]في تركيز منها على ما يوصف بالإرهاب الداخلي[2] في ماي 2010 . ولعل تزامن هذا مع موجة الثورات العربية مثل انفجارا لجملة من السياسات الوطنية منها ما زاد في تعميق الأزمة و مواصلة التخفي تحت طاقية مقاومة الإرهاب لتسهيل عملية ارتكاب مجازر لا تقبلها الإنسانية و تجنب للإدانة الدولية و منها ما مثل سعيا للقطع مع سياسات إرهاب القانون و لبناء الدولة  بتحقيق انتقال ديمقراطي امثل لا تتعارض فيه سياسة الأمن القومي مع ضرورة ضمان الحقوق و الحريات و تطويع الإدانة بما لا يتعارض مع حقوق الإنسان.

 فبين الأزمة السورية التي راح ضحيتها أكثر من 70 ألف قتيل و إعلان بشار الأسد انه في حرب ضد الإرهاب في ديسمبر 2011 وبين مذبحة ميدان التحرير التي عقبت دعوة الفريق السيسي لتفويض الشعب للجيش و الشرطة للقضاء على الإرهاب في جويلية  2013 و التي أسفرت عن أكثر من  70 قتيل و 4500 جريح, يبدو المشهد التونسي الأقل ريبة في خضم هذه المسالة  .حيث اتجه للبحث عن الآليات القانونية بعيدا عن كل تطويع غير برئ لقضية الإرهاب.

في إطار الهيكلة التشريعية للمسار الانتقالي و البناء لحوكمة رشيدة في تونس ما بعد الثورة , تقوم لجنتا الحقوق و الحريات و التشريع العام بالمجلس الوطني التأسيسي بدراسة المقترح الذي كانت قد عملت عليه اللجنة المحدثة صلب وزارة العدل و المتكونة من عدد من القضاة و المختصين و الذي يعنى بمراجعة قانون الإرهاب المحدث في 2003 , لما فيه من تعارض مع الحدود الدنيا للحقوق و الحريات العامة و الفردية و من غياب لشروط المحاكمة العادلة . و في سعي من السلطة التشريعية إلى تحقيق دستورية القوانين بعيدا على إمكانية  تغول  أي سلطة  على حساب أخرى مما قد يشكل تهديدا للديمقراطية .

في ظل التعددية الحزبية تحت قبة المجلس الوطني التأسيسي , تعددت مواقف نواب الشعب الممثلين صلب اللجنتين السابقتين الذكر حول مقترح وزارة العدل.فمن ناحيته اعتبرالنائب اسكندر بوعلاق عن تيار المحبة (العريضة الشعبية سابقا)  أننا في حاجة إلى تشريع وطني لمكافحة الإرهاب حتى لا تعزل تونس عن الواقع الدولي الذي يفترض التصدي للشبكات الإرهابية العالمية.إلا أن مقترح وزارة العدل لا يمثل سوى ترجمة سطحية لجملة من المعاهدات الدولية دون الأخذ بالخصوصية الوطنية في ذلك. ثم انه في بعض مستوياته يتعارض مع قواعد دستورية.

على سبيل تحجير السفر إلى بؤر التوتر و ما في ذلك من تعارض مع حرية التنقل و الحق الدستوري في دعم حركات التحرر و على رأسهم القضية الفلسطينية بالإضافة إلى ما في هذا من إسقاط لفرض شرعي ألا و هو الجهاد. و أكد على افتقار المقترح إلى المقاييس الضامنة للمحاكمة العادلة و التجانس بين الجريمة و الجزاء,واعتبره  اقرب للتضييق على الحقوق و الحريات من تمثيل الإرادة الفعلية لمكافحة الإرهاب حيث يوحي بإرادة لمواصلة السياسة القمعية و لتدخل السلطة التنفيذية في صلاحيات غيرها من السلط و قدم دليلا على هذا اللجنة التي يعنى بإنشائها هذا المقترح  و الحال أن الشأن يرجع بالنظر للسلطة القضائية .

كما استنكر عدم تناول المقترح لمسالة تجارة الأسلحة و الحال أنها عامل أساسي محرك للظاهرة  .أما في خصوص غسيل الأموال اعتبرها مجرد إرادة للتضييق على الدعم الذي قد تتحصل عليه بعض الجهات التي قد يراد إقصاؤها بتهمة الإرهاب.

أما بالنسبة للنائب احمد السميعي عن حركة النهضة فقد استنكر إمكانية  سن عقاب في ظل غياب مفهوم دقيق للإرهاب,فاخذ العبارة على إطلاقها لن يؤدي سوى إلى سياسة قمعية, و اعتبر ان المقترح لا يعدو أن يكون سوى نسخ عن اتفاقيات دولية و لا يأخذ بعين الاعتبار خصوصية البلاد التونسية ,حتى انه من ناحية الشكل لا يرتقي لقانون 2003 الذي يعتبر بالرغم من كل التحفظات في شانه اشد دقة من هذا الأخير.

كما أن الأفعال المجرمة في طياته لا تتناسب و العقوبات التي سنت لها ,بالإضافة إلى انه بدا مغاليا في بعض اسطره فمجرد مسك السلاح مثلا لا يمكن أن يعد جريمة دون تدقيق و تحديد للشروط و الظروف ,فقد يبدو طبيعيا وقت الحرب أو تحت الاستعمار حتى أنه ذهب إلى أكثر من ذلك و اعتبره حقا من حقوق الإنسان على غرار الدستور الأمريكي و أضاف أن قوانين مكافحة الإرهاب عامة و عبارة المجهود الدولي على وجه الخصوص تنم عن كونها مشروعا سياسيا لا قانوني,يرمي فقط لإخضاع شعوب العالم, لهذا يجب عدم الخلط بين الإرهاب و حق الشعوب في المقاومة بكيفية لا تتجاوز المعاهدات الدولية لكنها يجب أيضا أن تحترم حق الشعوب في تقرير مصيرها.وفي ذات السياق أعربت النائبة نادية شعبان عن المسار لمجموعة الكتلة الديمقراطية على ضرورة ايجاد قانون لمكافحة الإرهاب في ظل خصوصية هذه الجريمة, خاصة و أنها تحضى بمفهوم مشترك و هو عدم وجود علاقة بين الفاعل و الضحية.

أما عن المقترح فاعتبرته مقبولا في مجمله ,فقط يجب تحسينه على بعض المستويات  كمزيد هيكلة الجانب الوقائي للقانون و العمل على تناسب أكثر بين العقوبات و الفعل المجرم.  و أكدت في النهاية على أن سن قانون لمكافحة الإرهاب يضمن حقوق الإنسان بتكريسه لحقين أساسيين, الحق في الحياة و الحق في الأمن.

في حين أكد النائب أزاد بادي رئيس كتلة حركة وفاء على أن مقترح وزارة العدل هو امتداد لقانون 10 ديسمبر 2003 الذي عاضد به بن علي الجهود الدولية فيما يسمى بمحاربة الإرهاب و استعمله ليروع الشعب و ليكون أداة لتركيع كل معارضيه ثم إن الحرص على محاربة الإرهاب و السعي للقضاء عليه لا يجب أن يكون على حساب الحقوق و الحريات .

و استنكر  الحاجة إلى قانون مكافحة الإرهاب خاصة و أن المجلة الجزائية كفيلة بتنظيم الجريمة الإرهابية متى وجدت كغيرها من الجرائم .و أشار إلى ضرورة احترام حقوق الإنسان.

بناء على ما تقدم فان مؤسسة الياسمين للبحث و التواصل ” Jasmine foundation ” تتقدم بالتوصيات التالية :

  • ضرورة استنارة اللجان العاملة على هذا القانون بالإعمال التحضيرية للمجتمع المدني في هذا الشأن
  • ضرورة استنارة اللجان بآراء الخبراء و الكفاءات من أصحاب الاختصاص
  • أهمية تخصيص يوم حوار و جلسة استماع لمقترحات منظمات المجتمع المدني

[1] قرار ادارة الرئيس الامريكي باراك اوباما.ماي 2010

[2] http://www.aljazeera.net/news/pages/534e4170-fd79-4116-b6ce-1b04047afcae

عن وسيم دليل

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى