الرئيسية / الحوكمة / الحوكمة المحلية / الحوكمة المحلية مقالات / دور المجتمع المدني في دفع التنمية المحلية في تونس

دور المجتمع المدني في دفع التنمية المحلية في تونس

في ظل الانتقال الديمقراطي الذي تعيشه تونس منذ اندلاع ثورة 2011، برزت العديد من الممارسات الديمقرطية على غرار انخراط ومشاركة المواطنين م في العمل الجمعياتي. تلعب مؤسسات المجتمع المدني دورا مهمّا   في تعميق الحوار والمشاركة الفعّالة في نحت معالم المشروع المجتمعي لتونس الجديدة بعد الثورة في كنف المسؤولية والحيادية والاستقلالية وتدعيم قيم المواطنة.

يعد المجتمع المدني من أهم ركائز المساهمة في ترشيد العملية التنموية باعتباره حلقة وصل بين المجتمع والدولة. لذلك كان لابدّ من فسح المجال أمام الجمعيات لتصبح شريكا فعّالا في العملية التنمويّة من خلال دعم الخدمات التي يمكن أن تقدمها والأدوار التي يمكن أن تلعبها في الشأن التنموي المحلي أو الجهوي.

فأي دور للمجتمع المدني في تحقيق التنمية؟ فيم تتمثل مساهمة الجمعيات في الشأن المحلي في تونس؟ وكيف تتجلى أهمية الشراكة في تفعيل دور الفاعلين في التنمية المحلية؟

تونس ما بعد الثورة هي تونس الحراك الجمعياتي، حيث شهد تأسيس الجمعيات طفرة  إثر ثورة14جانفي، فحسب آخر إحصائية نشرها مركز الإعلام والتكوين والدراسات والتوثيق حول الجمعيات  (أفريل 2021)، بلغ المجموع العام للجمعيات في تونس 23925جمعية بعد أن كان 9969 سنة 2011[1] .ويشير هذا العدد المتنامي باستمرار إلى الاقبال المجتمعي الكبير نحو النشاط المدني الذي يدل بدوره على الوعي المجتمعي  بالأدوار المهمّة التي يمكن أن يلعبها ا المجتمع المدني في البلاد التونسية.

 وقد ضمن القانون التونسيّ تأسيس الجمعيّات من خلال المرسوم عدد88 ل سنة2011 المؤرخ في 24سبتمبر2011 بتنظيم الجمعيات فقد نصّ الفصل الأول منه على حرية تأسيس الجمعيات والانضمام إليها والنشاط في اطارها:” يضمن هذا المرسوم حرية تأسيس الجمعيات والانضمام إليها والنشاط في إطارها وإلى تدعيم دور منظمات المجتمع المدني وتطويرها والحفاظ على استقلاليتها “.وتعرَّف الجمعيات وفقا لذات المرسوم في فصله الثاني  كالاتي ” الجمعية اتفاقية بين شخصين أو أكثر يعملون بمقتضاها وبصفة دائمة على تحقيق أهداف باستثناء تحقيق أرباح”.  تمثّل الجمعيات اليوم فضاءات لممارسة الحرية والمشاركة وخلق المبادرات الجماعية وتتيح للأفراد فرصة الانتظام للمساهمة في صياغة برامج تساعد على تحقيق العديد من الأهداف مثل دعم مسار التنمية المحلية وتعزيز إرساء الحكم المحلي والمساهمة في تفعيل المقاربة التشاركية من أجل   تحقيق تنمية شاملة ومستدامة ينخرط فيها جميع الفاعلين المعنيين بالعملية التنمويّة.

الديمقراطية التشاركية: آلية دافعة للتنمية

لئن تقتضي الاستجابة لمتطلبات المرحلة القادمة إضفاء النجاعة على السياسات التنموية وتأمين وقعها الإيجابي وتوفير الأدوات والوسائل الكفيلة بضمان بلوغها للأهداف المرسومة.  إلّا أن تجسيد هذا التوجه يبقى رهين حسن توزيع الأدوار بين الفاعلين وتحديد المسؤوليات بدقّة وضبط مجالات تدخل مختف الأطراف السياسية والاقتصادية والاجتماعية ومكونات المجتمع المدني الفاعلين في الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

فالشأن التنموي في تونس يتطلب تظافر كل الجهود انطلاقا من الدور الاستراتيجي للدولة ومؤسساتها مرورا بأهمية القطاع الخاص في الدفع بالعملية التنموية على جميع المستويات وصولا إلى دور المجتمع المدني باعتباره قطاعا قائما بذاته وشريكا هاما في تأطير الحراك السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي تشهده البلاد. فهياكل المجتمع المدني مدعوة إلى مؤازرة المجهود الوطني الرامي إلى تجذير قيم المواطنة وتأمين انخراط مختلف الشرائح الاجتماعية في المسار التنموي، زد على ذلك مساهمة المجتمع المدني في صياغة مقاربات واقتراح مشاريع تساهم في الارتقاء بالوضع التنموي المحلي. وتجدر الإشارة هنا إلى مفهوم الديمقراطية التشاركية التي تعني ضرورة تشريك المواطنين والمواطنات والمجتمع المدني في مسار أخذ القرار على المستوى المحلي وتوسيع دائرة مساهمتهم في إقامة تصور  للشؤون المحلية يتلاءم مع خصوصيات المنطقة الترابية التي ينتمون اليها[2].

ذلك أن آليات الديمقراطية التشاركية تؤدي إلى إثراء اللامركزية في المجال السياسي باعتبارها مكونا أساسيا في تجربة اللامركزية في تونس. وتعرف هذه الأخيرة على أنها: “طريقة لتنظيم الدولة تتمثل في اسناد جملة من الصلاحيات الى ذوات اعتبارية مستقلة (الجماعات المحلية) تتمتع بالاستقلالية الإدارية والمالية تديرها مجالس منتخبة والاعتراف لفائدتها بسلطة اتخاذ القرار في جملة من المجالات الضرورية لتصريف الشأن المحلي. وهي تمثل إطار أمثل لسياسات تنمية محلية وجهوية عادلة ومرتبطة بالحاجيات الحقيقية للمواطنين. “[3]

ويتجلى هذا في الفصل 139من الدستور التونسي، باب السلطة المحلية الذي ينص على:” تعتمد الجماعات المحلية اليات الديمقراطية التشاركية ومبادئ الحوكمة المفتوحة لضمان إسهام أوسع للمواطنين والمجتمع المدني في إعداد برامج التنمية والتهيئة الترابية ومتابعة تنفيذها طبقا لما يضبطه القانون.” ويتّضح من خلال هذا الفصل اتّساع نطاق آليّات الديمقراطية التشاركية، وامتدادها لتشمل جميع المجالات المتعلقة بإعداد برامج التنمية، والمرافق، والتهيئة الترابية، وإعداد المخططات المالية والاستثمارية. وطبقاً لمقتضيات الحوكمة المفتوحة، يتيح الدستور للمواطنين الوصول إلى كافّة الوثائق الإدارية الخاصة بالجماعات المحلّية. كما تتيح لهم آليّات الديمقراطية التشاركية التأثير على قرارات الجماعات المحلّية وتقييم أدائه.[4]

ويعتبر هذا المسار التشاركي مهما للغاية في بناء الثقة بين المواطن والجماعات المحلية لتحقيق حوكمة أفضل على المستوى المحلي وأيضا سيبرز انصهار الجميع وبفعالية في ضمان استدامة التنمية، ومن ثم تترسخ بعد أن تظهر تجليات مساهمة المجتمع المدني في بلورة ودعم التزام الدولة بخلق برامج تنموية.

أهميّة المشاركة المدنيّة في النهوض بالتنمية المحلية

تتدخل هياكل المجتمع المدني في الشأن المحلي من خلال المساهمة في العملية التنموية عبر تقوية قدرات المجتمعات المحلية وتمكينها. وفي هذا الإطار تعمل الجمعيات الوطنيّة والمحليّة على تنمية مهارات الأفراد والجماعات من خلال توفير فرص التدريب في مختلف المجالات كالتخطيط الاستراتيجي وصياغة البرامج التنموية و سبل تنزيلها عبر توسيع المشاركة فيها من خلال ادماج كل المتدخلين من مؤسسات الدولة والادارات الجهوية وممثلي المجالس البلدية وممثلين عن المجتمع المدني.

ويرتبط نجاح منظمات المجتمع المدني في دعم التنمية المحليّة بمدى قدرتها على القيام بدراسات ميدانية والتمحيص في الواقع المحلي عبر خلق قاعدة بيانات تحتوي اراء المواطنين في الحكم المحلي الى جانب جمع المعطيات المتعلقة بالعديد من المؤشرات الخاصة بكل مجتمع محلي انطلاقا من رغبة المواطنين ومن تصوراتهم حول المجتمع المحلي.  ممّا يجعل العملية التنموية تبدو أسهل وأسرع وأنجع من خلال تحديد الأولويات واتخاذ القرارات المناسبة وجدولة المشاريع ذات الأولويّة ا بطريقة تشاركية من خلال انصهار المواطنين في السيرورة التنموية.

مؤسسة الياسمين للبحث والتواصل فاعلا في التنمية المحلية

وفي هذا الإطار يجدر التوقف عند تجربة مؤسسة الياسمين للبحث والتواصل -وهي منظمّة مجتمع مدني وطنيّة- في دعم التنمية المحلية وتعزيز ثقافة المشاركة الديمقراطية الفعالة.  تعمل مؤسسة الياسمين على تنظيم ورشات عمل تشاركية متنوّعة تهدف إلى تشريك كل الأطراف المعنية والمتدخلة في صياغة رؤى مشتركة وحلول ناجعة تعزز التنمية المحلية والحوكمة التشاركية في الشأن العام المحلي والوطني. ومن أجل هذا الغرض، طورت المؤسسة برامج تدريبية متميزة تقوم على تشخيص دقيق لاحتياجات المشاركين من المجتمعات المحليّ وتؤطر بشكل فعال مشاركتهم، مثل برامج تدريب الشباب والنساء والباحثين الشبان ورواد الأعمال حول مجموعة من المواضيع منها المواطنة النشطة والديمقراطية المحلية، وإدارة الجمعيّات المحليّة، وطرق وأساليب المناصرة. كما تعمل مؤسسة الياسمين على دعم وتدريب المستشارين البلديين لتمكينهم من ممارسات صلاحيّتهم في السلطة المحلية بطريقة ناجعة تدعم لامركزيّة التنمية.

كمثال من تجربة مؤسّسة الياسمين يمكن أن نذكر مشروع “مسار؛ من أجل دعم اللامركزية والتنمية المحلية” الذي تنفذه مؤسسة الياسمين بالشراكة مع الصندوق الوطني للديمقراطية NED.  يعمل المشروع على المساهمة في إرساء مسار اللامركزية واصلاحه من خلال تقييم تشاركي لمختلف محاور المسار ومراحله وذلك عبر إدماج وتشريك مختلف الفاعلين وتعزيز انخراطهم في الديمقراطية التشاركية بهدف تحقيق للتنمية المحلية. تستفيد من هذا المشروع كل من بلديات بنزرت وتونس الكبرى ونابل. وقد اشتغل المشروع على اجراء لقاءات معمقة مع رؤساء البلديات حول تقييم اللامركزية وتنظيم عدد من الدورات التدريبية لصالح أعضاء المجالس البلديّة حول إعداد المؤشرات التشاركية لتقييم التشريعات. كما نجح مشروع مسار في إجراء 5 مسوحات ميدانية حول تقييم جودة الخدمات البلدية. زيادة على ما سبق نظّم المشروع مجموعة من الورشات التشاركية مع مختلف المتدخلين من أجل إعداد استراتيجية تنمية مدينة بنزرت.  تنضوي انشطة مشروع مسار وأنشطة أخرى من المشاريع التي تنجزها مؤسسة الياسمين (مشروع نبني.TN، مشروع التنظّم المجتمعي،) تحت إطار عمل المؤسسة على النهوض بالتنمية المحلية وتدعيم اليات الديمقراطية التشاركية وتعتبر هذه الأخيرة من أبرز الأهداف التي قامت من أجلهم مؤسسة الياسمين.

خلاصة

يمكن الخلاص إلى أن دور المجتمع المدني لا يقل شأنا عن دور الفاعلين الأساسيين في المشاركة في تحقيق التنمية على المستوى المحلي. فالتنمية المحلية لا يمكن أن تكون تنمية ناجعة ما لم تكن بصفة تشاركية مؤطرة بممارسة ديمقراطية حقيقية تنطلق من المجتمعات المحلية قصد ضمان الأمن الإنساني وتأمين الاستقرار الاجتماعي.

وإذا أردنا للمجتمع المدني أن يؤدي رسالته ويكون فاعلا ومؤثرا إيجابيا في الواقع ودافعا بالشأن التنموي في المحليات، فمن الضروري أن تكون البيئة العامة التي ينشط فيها سليمة والتي تضمن خصوصيته ومكانته في المجتمع وفي الدولة تشريعا وممارسة.

بقلم: هاجر بن عيسى، طالبة ماجستير علوم اجتماعيّة، متربّصة في مؤسّسة الياسمين للبحث والتواصل.

المراجع:


[1] موقع واب مركز الإعلام والتكوين والدراسات والتوثيق حول الجمعيات

[2] دليل السلطة المحلية

[3]  دليل السلطة المحلية

[4] دليل السلطة المحلية

عن Khaoula Ghribi

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى