الرئيسية / تدبير / ترسيخ الديمقراطية وإرساء المحكمة الدستورية: حتى نفهم المسألة

ترسيخ الديمقراطية وإرساء المحكمة الدستورية: حتى نفهم المسألة

مع تقدم مسار بناء الجمهورية الثانية تتسع الفرقة بين حلفاء الأمس، الذين ناضلوا معا زمن الاستبداد من أجل الحرية، فبانهيار النظام وقيام الثورة انتفى جزء مهمّ من أسباب التحالف وبرز رهان جديد يتمثّل في ترسيخ ديمقراطية صلبة قادرة على حماية مكتسبات الثورة.

انتهت مرحلة الانتقال الديمقراطي في تونس بكتابة دستور الثورة وإجراء خمس عمليات انتخابية، رئاسية وتشريعية   وبلدية، لكنّ الاشكاليّة التي بقيت مطروحة هي ترسيخ الديمقراطية (Consolidation of Democracy) أي عملية تثبيت   النظام الديمقراطي واستكمال مأسسته في مرحلة ما بعد الانتقال الديمقراطي بشكل يكاد ينفي إمكانية انهياره أو الانقلاب   عليه. عبّر أدونيل عن ترسيخ الديمقراطية بأنّها انتقال ثان (second transition) أي التحول من مرحلة انتقالية  تجسدها حكومة منتخبة إلى نظام ديمقراطي راسخ[1]. ويختلف ليجفارت معه حيث يعتقد أنّ عمليّة الترسيخ الحقيقي للممارسة الديمقراطية على المستويين الفردي و المؤسساتي   تدوم من 30 إلى 35 سنة أي  حوالي جيل بمفهوم العلوم الاجتماعية [2] .

 لعل مسألة إيمان النخب السياسية بالديمقراطية كونها أقل الاحتمالات سوءا ،على الأقل، وأنها ملزمة بحمايتها [3] يُعدّ حجر أساس في تثبتها، فالموجة الثالثة من الانتقال الديمقراطي ، والتي شملت حوالي 100 دولة، لم ينتج عن كل التجارب فيها أنظمة ديمقراطية إنّما انتج الكثير منها أنظمة هجينة ( Hybrid regimes ) أي أنظمة لا هي ديمقراطية خالصة ولا هي استبدادية خالصة بل تأخذ من كل نوع من النظامين بعض الأسس[4] .لا شك أن أحد أعمدة ترسيخ الديمقراطية، وكشكل من أشكال إيمان النخب السياسية بها، هو استكمال بناء المؤسسات الدستورية وأبرزها المحكمة الدستورية. و هذا هو الرهان الذي مازالت تواجهه الديمقراطية الناشئة في تونس.

   عرف دستور 2014 المحكمة الدستورية بانها ” هيئة قضائية مستقلة تتركب من اثني عشر عضوا من ذوي الكفاءة”. [5]وهي مؤسّسة مختصّة في النظر في مراقبة كل من : دستورية تعديل الدستور، ودستورية المعاهدات، ودستورية مشاريع القوانين ودستورية القوانين ودستورية النظام الداخلي لمجلس نواب الشعب، إلى جانب إقرار شغور منصب رئيس الجمهورية أو اعفاؤه، وتلقي يمين القائم بمهام رئيس الجمهورية، والبت في استمرار الحالة الاستثنائية والنزاعات المتعلقة باختصاص كل من رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة.

وقد نصّ الفصل 148 من دستور 2014 على إنشاء المحكمة الدستورية في ظرف سنة من تاريخ الانتخابات التشريعية لسنة 2014 , في حين أنّه لم يتمّ إرساؤها إلى حدود ماي 2021. ويعود هذا التأخير إلى أسباب عديدة ابتداء بتأخر المصادقة على القانون عدد 50 لسنة 2015 المنظم للمحكمة الدستورية بحوالي سنة كاملة من تاريخ الانتخابات التشريعية لسنة 2014, وهي نفس المدة المنصوص عليها في الدستور لإرساء المحكمة الدستورية.

إلى جانب سنّه بشكل متأخر فقد تضمّن هذا القانون عدة سلبيات. أولها يتعلق بقاعدة اختيار أعضاء المحكمة الدستورية تباعا، يعين مجلس نواب الشعب 4 أعضاء ثم يعين رئيس الجمهورية 4 أعضاء وإثر ذلك يعين المجلس الأعلى للقضاء 4 أعضاء، أي أنه لا يمكن المرور إلى تعيين أعضاء المحكمة الدستوريّة من قبل رئيس الجمهورية أو المجلس الأعلى للقضاء قبل أن يعيّن البرلمان أوّلا الأعضاء الأربعة للمحكمة، لعبت قاعدة الاختيار التتابعيّ دورا في تعطيل عملية ارساء المحكمة الدستورية. فاختيار الأعضاء في ذات المدّة الزمنيّة من قبل جميع الجهات المعنية ربما كان سيسمح ببلوغ النصاب القانوني (6 أعضاء) لانطلاق عمل المحكمة الدستورية.

كما ان التنصيص على قاعدة 3/2 للتصويت على أعضاء المحكمة الدستورية، بهدف محاولة ضمان استقلالية أعضاء المحكمة، مثل عائقا أيضا. فتنوع الطيف السياسي الممثل في البرلمان، وهو أكبر مما كان عليه في مجلس نواب الشعب السابق أو المجلس التأسيسي، قاد إلى عدم الاتفاق في التصويت.[6]

يقودنا ما سبق  إلى سبب اخر حال دون إرساء المحكمة الدستورية وهو القانون الانتخابي الحالي، الذي حددته الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي منذ سنة 2011 بهدف توفير فرصة أكبر للأحزاب الصغيرة من أجل الحصول على تمثيل برلماني ، الذي لا يسمح ببروز كتل برلمانية كبيرة وإنّما يساهم في نشوء أقليّات برلمانية ضعيفة الانسجام فيما بينها وبالتالي تشحّ فرص التوافق والتحالف فيما بينها.

لتجاوز عقبات إرساء المحكمة الدستوريّة ,عمل مجلس نواب الشعب على مراجعة القانون الأساسي عدد 50 لسنة 2015 المنظم للمحكمة الدستورية. وصادق فيه على بعض التعديلات في 25 مارس 2021 بغية تسهيل انتخاب أعضاء المحكمة الدستورية وعرضه على رئيس الجمهورية من أجل ختمه، لكن هذا الأخير رده لمجلس نواب الشعب, أو ربما على مجلس نواب الشعب, من أجل تعديله مستشهدا بجملة من الحجج القانونية أبرزها انتهاء الآجال الدستورية لإرساء المحكمة الدستورية والتي تنص على أن يقع ذلك في غضون سنة من إجراء الانتخابات التشريعية لسنة 2014 .

لقي موقف رئيس الجمهوريّة من ختم قانون المحكمة الدستورية رفضا من قبل المختصين الذين نوّهوا بأنّ القول باستحالة إرساء مؤسسة دستورية إذا فاتت الأجل المنصوص عليه رأي منفرد وأنّ هذا الرفض سيؤدي إلى تعطيل سير أعمال مؤسسات الدولة[7]. فيما قال بعض السياسيين بأن رئيس الجمهورية هو المستفيد من تعطيل المحكمة الدستورية، فهي السلاح الوحيد الذي يمكن أن يستعمله مجلس نواب الشعب ضده. وأنه اعتبر نفسه غير معني بالمحكمة الدستورية التي تحمي بدورها الدستور والنظام السياسي الحالي الذي يعارضه.

 بعد أن رده إليه رئيس الجمهورية للتعديل، صادق مجلس نواب الشعب مرّة ثانية على مشروع القانون الخاص بتعديل قانون المحكمة الدستورية رغم أن الخلاف حول دستورية مشروع القانون لازال قائما. استمر السجال بين مجلس نواب الشعب ورئيس الجمهورية الذي رفض مجددا ختم مشروع القانون المذكور أنفا، لتبقى المحكمة الدستورية لغز “برمودا” في المسار الديمقراطي التونسي.

إن عدم إرساء المحكمة الدستورية هي أزمة سياسية بالأساس سواء بين الأحزاب فيما بينها أو بين مجلس نواب الشعب ورئاسة الجمهورية. لكنها تبقى في المقابل ضرورة يتوجب على الأطراف السياسية، التي تؤمن بالديمقراطية وتسعى إلى ترسيخها في الفعل السياسي التونسي، القيام بها من أجل استكمال بناء المؤسسات الدستورية والتي تعتبر أحد الشروط الأساسية لترسيخ الديمقراطية.

بقلم الباحث في العلوم السياسيّة: عليّ بالنّور، القسم البحثيّ بمؤسسة الياسمين للبحث والتواصل

المراجع


[1] Guillermo O’Donnell,” Delegative Democracy,” Journal of Democracy, Vol.5, No.1(January 1994), p.56.

[2] Lijphart (A.) ,democracies patterns of majoritarian and consensus government in twenty-one countries ( New Haven , CT Yale university press , 1984) ,p .38.

[3] بشارة (ع)، ثورة مصر : من الثورة إلى الانقلاب: المركز العربي للابحاث ودراسة السياسات، بيروت، ماي 2016, ص 20.

[4] Andreas Schedler,” Measuring Democratic Consolidation,” Studies in Comparative International Development, Vol.36, No.1(Spring 2001),pp.66-92; Andreas Schedler ,” What is Democratic Consolidation,” Journal Of Democracy, Vol.9 , No.2 (1998), pp.91-107

[5] الدستور التونسي، الفصل 118، ص 21، 2014.

[6] المركز العربي للأبحاث ودراسة  السياسات، ” أسباب تعطل إرساء المحكمة الدستورية في تونس”,2020

[7] مركز الدراسات الاستراتيجية و الديبلوماسية, “المحكمة الدستورية الى اين”, 2021

عن Khaoula Ghribi

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى