الرئيسية / الحوكمة / السياسات العامة / الشّعبوية: ظاهرة سياسيّة عابرة للبُلدان والشّعوب

الشّعبوية: ظاهرة سياسيّة عابرة للبُلدان والشّعوب

الشّعبوية ظاهرة سياسيّة ونمط من العمل والخطاب السياسي، تقوم على تبسيط الخطاب الموجه للجماهير وجعله أكثر مشاعرية وحساسية عوض الخطاب العقلاني القائم على الحسّ النقدي والمفردات السياسية الواضحة.

برزت هذه الظاهرة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر بداية في روسيا القيصرية سنة 1878 ثمّ في الولايات المتحدة الأمريكية سنة 1980.

تقوم الشعبوية على حشد الجماهير حول شعارات وخيارات سياسيّة تُركّزُ على العَزف على الوَتر الاجتماعي والاقتصادي والسّياسي. ويَقترن بُروزها بظهور أزمة وأمر طارئ مُستجد في مجتمع ما في زمن ما.

يقول”برتراند بادي” أستاذ معهد الدراسات السياسية في باريس، أن الأزمات والأوضاع المجتمعية تقابلها وتجيب عليها صورٌ، وأشكال حُكم شعبويّة تختلف وتتباين فيما بينها [1]. ويُفسّر هذا التّمايز الأطوار التي شهدتها الشعوبية كظاهرة سياسية عابرة للأزمان والبلدان والشعوب.

أما الطور الأول من الشعبوية –حسب بادي- فظهرت مع الفلاحين الرّوس الذين نددوا بعنف الرأسمالية الروسية الوليدة آنذاك بقيادة الدولة القيصرية وقد مثلها سياسيا حركة “النارودنكيّين” التي كانت مناهضة للسياسة القيصرية فما يتعلق بسياساتها التدميرية تجاه صغار الفلاحين وكان ذلك في ثمانيات القرن التاسع عشر (1878).

تزامنت هذه الموجة مع ما شهدته الولايات المتحدة من تفاقم الفقر والهشاشة الاقتصادية في أنحاء البلاد بسبب الازدهار الكبير للرأسمالية في المدن وتأثير ذلك بالسلب على الغرب والجنوب الأمريكي الذي كان آنذاك فلاحيا بالأساس.

سياسيا، عرفت تلك الفترة في الولايات المتحدة صعود مرشح حزب الشعب “جيمس ويفر” (1890) الذي وضع المصارف وشركات السكك الحديدية موضع اتهام في علاقة بالوضع الذي آلت إليه البلاد وتردي أوضاع الفلاحين.

الموجة الثانية للشعبوية ظهرت فترة ما بين الحربين (1918-1939) عندما تزايد الشّعور بالهَوان والذلّ في كل دول أوروبا عقب الحرب العالميّة الأولى وما تلاها من أزمات وأهمها أزمة الثلاثينات التي دمرت اقتصادات القارة الأوروبية التي كانت مستنزفة من الأساس. كانت الشعوب في أوروبا ساخطة على أداء مؤسسات دولها على جميع الأصعدة ولكن خاصة على المستوى السياسي والاقتصادي. وقد التجأ قادة الأحزاب السياسيين آنذاك إلى الخطابات الشعبوية هروبا من الشعور الجماعي بالإحباط. نشير على سبيل الذكر لا الحصر بالنسبة للأحزاب الشعبوية في أوروبا صعود الحزب النازي في ألمانيا وبالنسبة للقادة الشعبويين صعود فرانكو في إسبانيا وموسوليني في إيطاليا.

شملت هذه الموجة الثانية أيضا دول أمريكا اللاتينية التي عانت من وطأة أزمة الثلاثينات كونها المصدر الأول لمواد أساسية (القهوة في البرازيل، الموز في الإكوادور، القصدير في بوليفيا)، لدول أوروبا. وقد أدّت الأزمة الاقتصادية التي عاشتها دول أمريكا اللاتينية إلى تحرّكات شعبية آلت إلى انقلابات عسكرية مثل الأرجنتين، أو إلى ظهور أنظمة شعبوية مثل حكومة فارغاس في البرازيل.

مثّلت حملات تحرّر الشعوب عن الاحتلال الأوروبي نهاية الخمسينات وأوائل الستينات بداية موجة ثالثة من الشعبوية قادها الزعماء السياسيون الذين ساهموا في تحرير بلدانهم من الاحتلال الأوروبي. من أبرز هؤلاء السياسيين الذين انتهجوا الشعبوية، والذين يعرّفون أيضا بزعماء الانعتاق من الإحتلال، نذكر جمال عبد الناصر في مصر، أحمد سوكارنو في أندونيسيا، كوامي نكروما في غانا وفيدال كاسترو في كوبا.

أمّا الموجة الرابعة من الشعبوية فقد بدأت مع ربيع براغ سنة 1968 الذي سعى لتحرير دول أوروبا الشرقية من الحكم السوفياتي عبر حركات شعبية تنادي بإسقاط الأنظمة القائمة أو إصلاحها وجعلها أكثر ملائمة ومتطلبات الشعوب.

تزامنت أحداث ربيع براغ مع بروز الرأسمالية دوليا بصيغتها الجديدة أو ما عرف لاحقا بالعولمة. وقد أدت هذه الأخيرة آنذاك لاختلال في التوازن الاقتصادي والخوف عند بعض الدول الأوروبية من فقدانها هويتها وخصوصيتها في ظل الانفتاح الكبير والقسري، أحيانا، الذي كانت تنبأ به الشركات العابرة للقارات التي بدأت تتغلغل تدريجيا آنذاك في العديد من الاقتصادات.

سياسيا، ترجمت تلك التغيرات التي جاءت بها العولمة بصعود أحزاب يمينية كانت تنادي بحماية الفلاحين من الرأسمالية النّاشئة التي اعتبروها مهدّدة لاستقرارهم (الحزب الريفي الفنلندي SMP سنة 1970) وتدعو في جانب آخر لاسترجاع الهوية القومية والتاريخ المشترك وهو شأن حزب التقدم (1972) في الدنمارك بزعامة أندريس لانج.

الموجة الخامسة من الشعبوية والتي مازالت متواصلة حدّ اللحظة، برزت مع صعود الخطابات العنصرية وزيادة الهواجس الشعبوية التي تدعو للانغلاق الهووي والحضاري وحتى الاقتصادي خاصة مع موجات الهجرة المتواصلة ( في أوروبا) وتنامي الهويات القومية والدينية والعرقية الداعية لتجاوز القوانين الضامنة للعيش المشترك خاصة مع الجماعات التي يعرف الموصومة بأنها أقلية ( السود والمهاجرين في الولايات المتحدة في مواجهة اليمين المتطرف بزعامة ترامب، المسلمين في الهند مع حكومة مودي زعيم حزب بهارتيا جناتا، الفلاحين والفقراء في مواجهة أصحاب الشركات في حكومة بولسنارو في البرازيل).

قامت هذه الموجة الخامسة بالأساس على أنقاض أزمات وتراكمات متعلقة بمسائل عالقة لم تفصل فيها الشعوب ثمّ عادت للسطح في المواجهات السياسية بين الأحزاب التقليدية والأحزاب الناشئة المحمّلة بطموحات تقول أنها تلبّي رغبات شعبية.    

في أوروبا، ترى بعض الأحزاب مثل حزب القانون والعدل البولندي وحزب فرنسا إلى الأمام وحركة خمس نجوم الإيطالية في المهاجرين خطرا داهما على هويتهم القومية وعلى إرثهم الحضاري. وتبني هذه الأحزاب خطابها معتمدة على خوف بعض فئات المجتمعات الأوروبية من المهاجرين الوافدين باستمرار من الدول العربية والإسلامية خاصّة.

اعتبر إيمانويل ماكرون في إحدى خطاباته أنّ الجالية المسلمة في فرنسا جماعة ذات نزعة انفصالية وأنها غير قادرة على الاندماج مع القوانين الفرنسية.  فكان خطابه شعبويّا يقوم على العنصريّة التي تخالف القانون الفرنسي. كما قدّم ماكرون في خطابه أمرا متخيّلا لا يتوافق مع واقع المسلمين الفرنسيين.

في الشعبوية السياسية هناك ما هو ثابت وما هو مُتحول، على مستوى الخطاب والجمهور المُستهدف وكذلك الممارسات.

حيث نجد أن الشعبوية السياسية عادة ما تكون نتاجا لأزمة خانقة تعصف بمجتمع ما في دولة ما في زمن معين، كالحرب العالمية الأولى (جاءت بهتلر وفرانكو) وحركات التحرر من الاستعمار (جمال عبد الناصر، أحمد بن بلة)، أو انتشار الرأسمالية والعولمة (أحزاب داعمة للفلاحين في فنلندا) أو ظهور موجات من الهجرة المتزامن مع كساد اقتصادي (فرنسا وإيطاليا). الشعبويّة من ناحية أخرى، تسعى إلى تحقير دور مؤسّسات الدولة وتدعو إلى قيام سلطات أكثر قربا في خطابها وممارساتها من التطلعات الشعبية، ولو كان هذا على حساب القانون (الشعبوية القومية الداعمة للبيض في أمريكا ترامب تنتهك حقوق السود والمسلمين وتحرض عليهم تحت غطاء القانون).

تقوم الشعبوية كذلك على صنع مخيال شعبيّ مبني على الآراء السائدة في علاقة بمشكل مجتمعي مثل الدعوة للخروج من الاتحاد الأوروبي في بريطانيا التي تزعمها بوريس جونسون، أو الدعوة لترحيل المهاجرين في كل من إيطاليا مع حركة خمس نجوم. في فرنسا مثلا يمثل المسلمون والمهاجرون الركيزة الأساسية لشعبوية حزب فرنسا إلى الأمام بزعامة إيمانويل ماكرون.

في تونس فجّر مناخ الحرية إبّان ثورة 17 ديسمبر-14 جانفي حراكا ديناميكيا في الساحة الثقافية والمجتمعية والسياسية حول عديد المسائل وخاصّة منها الهوويّة ودور الدّين في الحياة العامّة وهي مسائل كان من الصعب الخوض فيها زمن الأنظمة الاستبدادية السابقة. هذا الحراك وهذا النّقاش الذي احتدم في كثير من المناسبات (وقت طرح مقترح قانون الميراث مثلا)، إضافة إلى تردي الأوضاع ساهمت في ظهور أحزاب وشخصيات شعوبية بنت خطابها السياسي مرّة على ضرورة تحسين الظروف المعيشية، ومرّة أخرى على واجب تعزيز الكرامة من خلال استرداد ثروات البلاد من المستعمر، وأخرى على واجب إعلاء سلطة الشعب على حساب مؤسسات الدولة.

الشعبوية الصاعدة في تونس الثورة هي وليدة ظروف اجتماعية واقتصادية صعبة تعيشها البلاد في مرحلة تحوّل ديمقراطيّ تعترضه كثير من العقبات والمصاعب. يمكن أن تمثل الشعبوية خطرا على مسار التحوّل الديمقراطيّ عبر تركيز خطابها على “مغازلة” الوجدان الشعبي دون تقديم رؤية إصلاحية واضحة وخطط عمل للخُروج من المشكلات الحقيقية.


[1] عودة الشعبويّات: أوضاع العالم 2019(كتاب جماعي)، ترجمة نصير مروة، مؤسسة الفكر العربي، بيروت، 2019، ص 10.

بقلم: فهمي الورغمي

قسم البحث، مؤسسة الياسمين للبحث والتواصل.

عن Community Manager

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى