الرئيسية / ديمقراطية / دولة القانون والمؤسسات / دولة القانون والمؤسسات أنشطة / سيرة دستور الثورة.. “مجلــــــــــس تأسيسي واجــــــــــب”
سيرة دستور الثورة.. “مجلــــــــــس تأسيسي واجــــــــــب”

سيرة دستور الثورة.. “مجلــــــــــس تأسيسي واجــــــــــب”

هكذا هتف الأحرار مرارا و تكرارا في ساحة قصر الحكومة بالقصبةحين لبّوا نداء الثورة و جاؤوا من كل ربوع الجمهورية .. بهذا الشعاربـدأ المشوار، مشوار الحياة السياسية بتونس بعد هروب المخلوع .

مجرّد أن يتزعم هذا المطلب جميع مطالب الثورة يدلّ قطعا على نضج الوعي السياسي لدى الشعب التونسي رغم سنوات التغيّيب و الإقصاء. إذ أن هذا المطلب من شأنه أن يلخّص جميع هتافات المتظاهرين الأحرار يوم الرابع عشر من جانفي إحدى عشر و ألفين ، من كرامة و حريّة و شغل و تنمية و نهضة شاملة… ببساطة لأن الدستور المرتقب سيجمع قانونّيا كل آمال المواطنين في كتاب واحد، و سيكتب بدم الشهداء ملحمة الإنعتاق و التّحرر، هذا الدستور الذي أجمع التونسيون على اختلاف مشاربهم و آرائهم على نفاد صلوحيته لا لشيء إلا لأنه عُدّل على مقاس المخلوع، فهو لا يمثلهم في شيء و لا فائدة تذكر من تنقيحه.

 لهذا، فالمتمعن في مسار الثورة التونسية لا بد له أن يلاحظ أنها فريدة من نوعها على كل الأصعدة، حيث تجاوزت تونس مرحلة الإستفتاء على الدستور في حين تطرّقت لذلك الشقيقة مصر، و ما من شكّ أن هذه القفزة النوعية قد وفّرت على تونس الكثير من الوقت.كان من بين السيناريوهات الممكنة أن يتكالب الانتهازيون على الوضع الهشّ و يمطروا الجميع بوابل من المطالب النفعية الشخصية، و قد حصل هذا فعلا و لكن بنسبة قليلة مقارنة بالوحدة و العقلانية و روح الجماعة التي أبداها التونسيون و تحلّوا بها منذ بزوغ أولى شموس الحرية.

 كثيرا ما تصفّحت كتب التاريخ و اعتبرت من ملاحم العرب القديمة، و ذرفت الدمع سخيّا على حال الأمة حاليّا، و تألمت لظلم عملاء الغرب من حكام العرب، و كأنها مباراة ، كلّ يتباهى بجرعة الظلم التي يذيقها قسرا لشعبه..!

كثيرا ما تطلعت إلى اليوم الموعود، يوم الإنعتاق من كل هذا العذاب المكبل لانطلاق ابداعنا و رقيّ بلادنا، و لكنّني  رغم الأمل و التفاؤل، لم أتصور قطّ أنه قريب إلى هذه الدرجة، لم أعتقد يوما أنني سأعيش أحداثا تاريخية و سأشارك في كتابتها مع أبناء بلدي، كل من موقعه و حسب طاقته.

 أجمل تلك الأيام كانت أيام اعتصام القصبة بلا منازع، و بفضل استئساد و استماتة المواطنين، تجسّد ذاك المطلب الأسمى و شهدت تونس أول انتخابات حرة و نزيهة تكوّن على اثرها المجلس الوطني التأسيسي.

 آنذاك، لم يكن لي الحق في الإنتخاب ، إذ لم أبلغ الثمانية عشر عاما بعد و لكن فترة الحملة الإنتخابية و أيام الإنتخابات و ما تلاها من أجواء انطبعت الى الأبد في ذاكرة كل التونسيين على اختلاف أعمارهم ، لا لشيء إلا لأنها أجواء استثنائية لم يعهدها حتى الشيوخ و الكهول، و كما كتب الفيلسوف الفرنسي غوستاف لوبون منذ قرن من الزمن في كتابه الشهير سيكولوجيا الجماهير ” لا جماهير من دون قائد كما لا قائد من دون جماهير”، كانت الثورة و مبادئها القائد الرسمي ، و النواب المنتخبون جماهيرها بامتياز، تدفقوا من كل الولايات، بل و حتى من أوروبا التي احتضنت عدة مهّجرين قسرا أيام المخلوع، أي أن تركيبة النواب تتراوح بين مناضلين قدامى تحفل سيرهم بالتضحية في سبيل الوطن، و بين تونسيين لم يجربوا الحياة السياسية من قبلو ليس في ذلك انقسام قطّ، بل على العكس ثراء و تنوع و تكامل، لأن كِلاَ الشّقين قد مورس عليه الظلم بصفة أو بأخرى ، و لأن من ألهب فتيل الثورة هو تراكم تضحيات و أوجاع الجميع بلا استثناءو بلا مزايدات .

رغم أن الفخر بحب الوطن مباح، هذه هي الصوة الوردية لهذا المجلس المنتخب الذي مثّل بامتياز صورة مصغرة للشعب التونسي على اختلاف مشاربه، لا زلت أذكر أجواء الجلسة العامة الأولى ، حين استهلّها مائتان و سبع عشرة نائبا بقراءة الفاتحة على أرواح من كان لهم الفضل في تواجدهم تحت ذلك السقف، و من ثم تواشجت مشاعر الوطنية بذكريات الماضي القريب حين علا النشيد الوطني الرسمي، و تلت هذه اللحظات التاريخية مرحلة تأدية القسم، و فحواه أن لا تراجع إلى الوراء، و أن لا حياد عن المسار، وأن لا ادخار لأي جهد في سبيل تحمل المسؤولية و خدمة الوطن، فهل كان النواب أوفياء صادقين لقسمهم؟

 لا عجب في أن مسار الثورات كثيرا ما تعترضه المطبّات و تثبّطه العراقيل، فالانتقال من عقود الظلم إلى أولى أيام الحرية عسير، و أولى هذه الصعوبات في نظريهي بروز مصطلح المعارضة على الساحة من جديد من طرف من تكبدوا خسارة في الإنتخابات، لم يفقهوا أن مصطلح المعارضة لا يرفع إلا في وجه ظالم مستبد، على الأقل في هذه الفترة الانتقالية، و ليس ضدّ زملاء النضال مهما اختلفت رؤاهم، لأن العدوّ واحد في نهاية الأمر. لعلهم فقهوا ذلك، و لكنهم انخرطوا عمدا في افتعال صراعات إيديولوجية مقيتة عوض الإنكباب على خدمة الوطن من داخل المجلس و خارجه على حدّ سواء.

إنّي لأرى أن هذه النزعة إلى الإنقسام هي ما تسببت بشكل مباشر و غير مباشر في تعطّل مسار كتابة الدستور، ناهيك عن مسؤوليتها بشكل أو بآخر عن المصاعب التي حدقت ببلادنا خلال السنوات الثلاث الفارطة،  لا بدّ أن تفقه نخبتنا أن الثورة الحقيقية لن تُتَوِّجَ مسارها إلا حين يتحقق الإرتقاء من مجرد الصراع الإيدولوجي إلى المنافسة السياسية ، حينها فقط تتحقق الديمقراطية .

 غير أن المجلس التأسيسي كان و للأسف محفلا للصراع الإيديولوجي بكل أشكاله، حتى خال التونسيون أن النواب قد حادوا عن الهدف الأسمى للمجلس ألا و هو كتابة دستور جديد يمثل الثورة و عظمتها و يعانق القيم التي من أجلها ضحّى الشهداء الكرام بأرواحهم الزكية. و ما أكثر تجليّات هذا الحياد، إذا أننا شهدنا تحالفا صريحا بين القوى المعادية للثورة من الذين فقدوا امتيازاتهم بسببها، و بين الأحزاب التي مُنِيت بهزيمة نكراء في الإنتخابات،  و المؤلم في الأمر أن من بين هذه الأحزاب من عُرف بناضله خلال سنوات الجمر، غير أنه انقلب على مبادئه مع أول نسائم الحرية، لا لشيء إلا لأنه لم يظفر بمنصب، و لهذا فإن سنوات نضاله لن تغفر له تغيّره مهما حاول استعمالها كتبرير شرعي، لأن الغاية لا تبرر أبدا الوسيلة، و لأن الغاية إن صلُحت، فلا بد للوسيلة أن تكون من جنس الهدف النبيل الذي استُخدمت لبلوغه.

و في هذا السياق أذكر ازدواجية خطاب العديد من مناضلي السابق و منقلبي اليوم، من الذين دعوا لضرورة انتخاب المجلس التأسيسي أُولى أيام الثورة، و من ثم أمعنوا في التنكيل به و التقليل من شأنه بل و حتى التحريض على حلّه بدعوى أنه قد فقد شرعيته بعد مضيّ عام من بداية أشغاله..!

لقد رأينا العجب العجاب ونحن نتابع حلقات هذا المجلس: رأينا كتلا تتفتت و نوابا يباعون و يشترون لفائدة الأحزاب التي تكونت بعد الانتخابات و لم يمنعها تخلّفها هذا من شراء ذمم النواب بالمال السياسي الفاسد حتى تسرق قسرا مكانا تحت تلك القبّة، رأينا شيوعية ماركسية تتحالف سرّا وجهرا مع بورجوازية متعفنة ، و هو ما يمثل في حد ذاته سبقا تاريخيا و خيانة لمبادىء كلا الطرفين، و لم دَفَعهم الى ذلك سوى عداؤهم لكتلة الأغلبية.

 هنا فقط تُستباح خيانة المبادىء و لو على حساب مصلحة الوطن، رأينا تقاذفا بالسباب و شتما و تهريجا و سخافة و سذاجة و نوابا لا يستحقون أن يكونوا في ذلك المكان التاريخي، و لا يفقهون أن من واجبهم أن يكونوا قدوة للشعب وليس مدعاة للسخرية و التندر، رأينا دعوات مجانية للقتل و السَّجن من طرف نواب في حق نواب آخرين: إنها الفوضى الخلاقة!

 رأينا دموعا تنزل بصمت من عيون من قضى عمره في غياهب السجون ، ثم اتهموه بما مورس في حقه من تعذيب، مؤلم أن يُنعت الضحية بالجلاد، رأينا غيابات متكررة تنمّ عن لامبالاة و عدم مسؤولية فضيعة، و انسحابات مقيتة تدّعي الحق و تخفي في باطنها الباطل من طرف من ليس لهم وزن معتبر داخل المجلس، و ما الوزن إلا انعكاس لرغبة الشعب و ارادته، حتى أن كل أشغال المجلس توقفت لشهور و تعرقل تقدم صياغة الدستور بسبب هذا التصرف الأرعن الذي تستوجب العدالة أن يحاسب مقترفوه، رأينا مماطلة و مبالغة في مناقشة كل حرف يُكتب، و عرضا عجيبا لكل ما يحدث في البلاد من أحداث على نواب المجلس، و كأنه -رغم ما يتمتع به من شرعية- الوصيَّ الوحيد على الثورة! الأمر الذي ولّد انتقادات واسعة لصلاحيات المجلس العديدة، خاصة و أنه قد اضطلع بمهمة واحدة ألا وهي كتابة الدستور، و لا داعي لتجاوز هذا الواجب، و لكن هيهات ..!!

 و هنا، تجدر الإشارة إلى أنني لا أنكر على المجلس أهميَّتَه، و لكن اهتمامه بأحداث البلاد المتعددة و تفاصيلها لا يجب بأي حال من الأحوال أن يصرفه عن مهمته الرئيسية، لأن كل شيء فاق الحدّ انقلب آليّا إلى الضدّو هذا للأسف ما حدث بالضبط، رأينا عدة اعتصامات أمام بهو المجلستراوحت بين نصب الخيام المتواضعة و بين توزيع الأطعمة الفاخرة (الروز بالفاكية)، و لا عجب في أن مطالب هذا الأخير رحلت و لم يرحل المجلس، و كتتويج أليم لكل هذه السلبيات، عشنا اغتيالين سياسيين فطرا قلوب التونسيين و زادا في تعميق الجرح و تعطيل المسار الديمقراطي، و جفّ حبر الدستور و طغى الغبار على قاعة المجلس لأشهر بفعل فاعل.

لقد استماتت القوى المعادية للثورة و من والاها من الداخل و الخارج في زرع الألغام في عدة مناسبات وطنية من أجل وأد ما حققناه من تقدم ، و لكن الله سلّم ثم أتانا ما سُميّ بالحوار الوطني و شُهر بالحمار الوطنيّ، و كاد الشعب أن يقرّ بفشله ، حتى أن أستاذ القانون القدير الأستاذ قيس سعيد قال معقبا ” أخشى أن يأكل الحمار الدستور”…!

و السؤال هنا، كيف سيهضم هذا الحيوان المسكين مثل هذا الدستور غير المكتمل…؟!

 و تحققت المعجزة و نجح الحوار… و رأينا سرعة و اهتماما مفاجئا من الجميع من أجل التعجيل بالمصادقة على جميع بنود الدستور، و أصبحنا نشاهد الجلسات العامة تُعقد في الصباح الباكر و تنتهي في غسق الليل، و و الله لو التزموا بمثل هذا النسق منذ الوهلة الأولى لكان الدستور بيننا منذ شهور، و لبدأت فصوله تُدرّس رسميا في الفصول..!

رغم كل هذه النقاط السلبية التي وسمت المجلس الوطني التأسيسي، فإنني أكاد أجزم أن حدوثها أمر طبيعي بحت ، لأن مخاضا كالذي عاشته تونس لا بد له أن يكون عسيرا و مصحوبا بآلام، و لأن لنا جميعا نفس المستوى السياسي : “سنة أولى ديمقراطية”. بل أنني أتجاوز هذا التفسير إلى القول بأن تونس محظوظة فيما يتعلق بالحريات و الجانب الأمني و الاقتصادي ، مقارنة ببقية دول الربيع العربي التي بلغتها نسائم التغيير.

و من هذا المنبر، أتوجه بالدعوة الى شعبنا الكريم الى حمد الله الذي سهّل لنا الأمور و دعوته كي يفرّج كرب أشقائنا العرب في كل مكان، و إلى المضيِّ قِدما في الحفاظ على مكاسب الثورة التي حققناها معا، و كذلك السعي لمزيد تكريس السواعد و الأقلام خدمةً للوطن، كُلُّ من موقعه، معرضين عن إضاعة الوقت في بثّ موجات السلبية و التشاؤم.

و هنا، أشدد على حقيقة مفادها أن من عرف معنى الديكتاتورية من أفراد شعبنا، هو وحده الذي يستطيع التمتع بنسائم الحرية،  الى جانب كل الاخلالات التي حصلت بالمجلس، فإن مساره على مدار ثلاث سنوات متتالية لم يخلُ من عدة مواقف مؤثرة عكست قداسة الوطن، و طرائف ستبقى عالقة في ذاكرة الشعب، ناهيك عن اكتشاف التونسيين و العالم بأسره طاقات تونسية معتبرة و رجالا و نساء أكفاء على قدر عال من الوطنية و المسؤولية، شبابا و كهولا، لبّوا نداء الوطن من جميع أصقاع العالم (خمسة عشر نائبا من دوائر انتخابية خارج التراب التونسي) و حملوا الأمانة بحبّ و حبور، حتى و ان تفاوت مستواهم القانوني الذي تتطلبه كتابة الدستور، كما ادعى البعض، فإن حرصهم على تكثيف الاستشارات القانونية من لدن ذوي الاختصاص و أهل الذكر سيجنب الدستور من أن يكون مجرد نسخة إنشائية بغلاف قانوني.

في خضمّ كل هذه التجاذبات، شقّ الدستور طريقه نحو النور، متجاوزا وابل العقبات التي مازالت تُلقى عمدا في طريقه ، آخرها محاولة تعطيله عن طريق المحكمة الإداريّةو ما استرسالي في توصيف مسار المجلس التأسيسي و كواليس جلساته و تفاصيل أجوائه إلاّ لأن صداها هو ما سيعكس جوهر الدستور المرتقب، فهو مولود من رحم كل تدخل ، و في أعماقه طُبع كل نقاش ، و بين ثنايا سطوره نستشف كل دمعت مخلصة سُكبت من أجل هذا الوطن.

 و إني لأعتقد أن الكثير من النواب لم يفقهوا بعد المهمة التاريخية التي اضطلعوا بها و كان لهم شرف المشاركة في كتابة ملاحمها، ذلك ان هذا الدستور هو أول دستور للبلاد التونسية يُخَطُّ بأياد حرة منتخبة ، بعد وثيقة عهد الأمان التاريخية التي صدرت في عهد محمد باي بتاريخ تسعة سبتمبر خمس و سبعون و تسعمائة و ألف، و التي تُعد أول نص يمنح التونسيين حقوقهم الأساسية كمواطين.

كما يعد الدستور القادم استكمالا لدستور واحد و ستين و ثمانمائة و ألف في عهد محمد الصادق باي، و الذي يعتير أول دستور عربي ساهم بامتياز في تكريس عدة مبادىء أساسية رسمت أولى معالم الحياة السياسية التونسية، و كان مرجعا فكريا لنضال و كفاح الحزب الحر الدستوري التونسي الذي واصل العمل به بعد الظفر بالاستقلالغير أن كلّا من بورقيبة و بن علي لم يدّخرا جهدا في تفصيله على مقاسهما فيما بعد، فعادوا بنا ستين سنة الى الوراء..!

إن ما يبعث على الاطمئنان و ما يثلج الصدر حقا هو أن جميع مراحل كتابة هذا الدستور موثقة في مواقع الانترنات و صفحات التواصل الاجتماعي ، أين تابع التونسيون بمختلف أعمارهم المسار برمته، و أين انفجرت قريحة الشباب في التعليق، سلبا و إيجابا على كل بنود الدستور و أكثرها إثارة للخلاف ، كبند التناصف و مسألة التنصيص على الشريعة، و هذا في حد ذاته أمر محمود، فتفاعُلُ الشباب و اهتمامهم بالشأن السياسي بعد أن كانوا مغيبين لسنوات يعد من أكبر ثمار الثورة، حيث اكتسبت الناشئة قدرة على النقد و التحليل و أصبح بمقدورها التفريق بين الخطأ و الصواب مهما تواصلت مغالطات الإعلام التي قد تنتمي الى اجندات معينة.

 كما أن تاريخنا لن يُحرّف مجددا و لن يَنسب طرف معين الفضل لنفسه كما فعل المخلوع، ذلك أن أجواء الثورة الاستثنائية قد ولدتّ شغفا بمتابعة تقدم المسار الديمقراطي لدى الشباب، حيث شهدت تونس بروز عدة منظمات غير حكومية و الكثير من الجمعيات المستقلة التي تُعنى بمراقبة هذا المسار بحياد و بدافع الوطنية لا غير.

لقد جمّلت الثورة حياتنا و أضفت على واقعنا بعدا آخر لم نحلم به يوما، مهما صوّر لنا البعض ضخامة السلبيات، إن هذا الدستور هو أولى ثمرات هذه النزعة التونسية الى الحرية، حيث سيكون له إشعاع عالمي و سيطبع معالم حياة أجيال المستقبل، بعد أن حفظ بنوده أجيال هذه الحقبة حتى قبل أن يُختم بصفة رسمية..! كيف لا و نحن نستحضر عند تلاوة كل بند مشهدا من المشاهد التي صحبت تدوينه؟

كشابة تونسية، لا يسعني إلا أن أشدّ على أيادي الوطنيّين في بلدي، و أهنأ الجميع بهذا التألق الذي حققناه سويّة رغم الشوائب التي عكّرت تعايشنا في بعض المحطّات، ذلك أن مسار الثورة قد يكون أحيانا متعثّر الوتيرة، لكنه دائما ذو اتجاه مستقيم تصاعدّي نحو القمة.

 و في غمرة هذه الأجواء الرائعة، أستحضر موقفا عشته خلال حصة التربية المدنية بالسنة الثانية ثانوي، قبل أشهر قليلة من اندلاع شرارة الثورة، يوم ضُقتُ ذرعا بالدرس الذي يمجّد دستور بن علي و يحثّنا على حفظ بنوده التي قد لا تخلو من مصداقية قانونية و لا تفتقر إلى الصِّحة، و لكن لا شيء منها يُطبق على أرض الواقع ،بل عكسها بالضبط هو المعيش، و وجدتني أقول للأستاذة بعصبية حاولتُ كتمانها و لم أُفلح “إلى ما متى ستدرسوننا ما هو حبيس الكتب و ما لا يعدو أن يكون إلا حبرا على ورق؟”. فما كان منها إلا أن قالت بألم” أنا أدرسك ما يجب أن يكون.. أما ما هو كائن، فهو خارج عن نطاقي..”، فلنعمل سويّا كي نجعلَ من هذا الدستور ما يجب أن يكون و ما سيكون على حد سواء.

 بقلم: تسنيم ادريس

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى