الرئيسية / الاقتصاد والتنمية / الرقمنة والمدن الذكيّة ودورها في الحد من الكوارث

الرقمنة والمدن الذكيّة ودورها في الحد من الكوارث

مثلما اثرت الثورة الصناعية على الحياة الإنسانية وغيرت أنماط العيش بشكل عميق، تؤِثر الثورة الرقمية او المعلوماتية على كل نواحي ومجالات حياة الإنسان بما يشكل سمة بارزة في طبيعة الألفية الثالثة, يتصدر هذه الثورة مهندسو البرمجيات والرقمنة ولكن أيضا عددا كبيرا من المختصين في المجالات العلمية والهندسية المختلفة ومن ضمنهم مخططو المدن. وفي هذا الإطار شكّل مفهوم المدن الذكيّة أو ما يعبّر عنه التخطيط الذكي نقطة عبور نحو العالم الرقمي ليتحكم في الخدمات المقدّمة بشكل فعّال ومنظم ليشكل الاهتمام الأبرز في خياراتها وتوجهاتها السياسيّة.

وقد “ظل مفهوم  الرقمنة والتكنولوجيا الحديثة يشكّل هاجسا مستمرا لدى مخططي المدن لما له من انعكاسات جوهريّة على واقع تخطيط المدينة ومستقبلها”،  وفي حين بدأ هذا التوجه في البروز بقوة أولا لدى الدول الصناعية، شهدت الالفية الثالثة أيضا بداية تبني أغلب مدن العالم الثالث لمقاصد الثورة المعلوماتيّة حيث أصبح خيار الاندماج في هذا العالم أمرا واقعا، بولوج سكان هذه المدن عالم التجربة الرقميّة عن طريق تكنولوجيا الاتصالات وأصبح مصير بقائها وتطورها يبدو مرهونا بقابليتها الذاتيّة وقدرتها على التفاعل بهذا الاتجاه ضمانا لاستمراريتها[1].

وتعرف المدينة الذكيّة بأنها مدينة يتم فيها دمج تكنولوجيا المعلومات والاتصالات مع البنى التحتيّة القديمة بتدفق عالي للأنظمة الالكترونيّة الحديثة بصيغة منسقة ومتكاملة تجعل الخدمات والوظائف المعلوماتيّة فيها متاحة لكلّ المتساكنين وتساهم من جهة أخري في تيسير عمليّة التخطيط الحضري بصفة محكمة ودقيقة وذلك من خلال تطوير أدوات التخطيط العمراني مما يجعل المدينة أكثر مرونة مع جوانبها الاقتصاديّة والاجتماعيّة والبيئة.

أجبر تفشي الأمراض على مر التاريخ  الإنسان على ابتكار أساليب واختراعات جديدة في التصميم الحضري، فمثلا لمكافحة وباء الكوليرا في بدايات القرن الـ19 تمّ إنشاء شبكة جديدة من مواسير المياه والصرف الصحي، ووضع قوانين مناطق جديدة لمنع الازدحام[2]. واليوم تتمحور أغلب النقاشات حول المدن الذكيّة ودورها في الحد من الكوارث والأوبئة بعد تفشي فيروس كورونا.

تعتمد المدن الذكيّة بشكل رئيسي على البنية التحتية لتقنية المعلومات والاتصالات، لتلعب دوراً حاسماً في زيادة الكفاءة عبر قطاعات الصناعة والنقل وإدارة الطاقة والمياه والتحكم في الأنظمة الذكيّة للطاقة والنفايات، وتعزيز التوصيل البيني الأفقي بين مختلف الأنظمة المسيّرة للطاقة والمياه والصرف الصحي وإدارة المخلفات والنقل والأمن والرصد البيني واليقظة المؤسساتية والأرصاد الجوية[3]. وهذا من شأنه أن يساهم بشكل كبير في الحد من انتشار الأوبئة والتصرّف الأمثل والفعّال في الأزمات والكوارث.

KJ

Kazan Smart city : wikipedia

فهناك طرق أكثر فعاليّة تجعل المدن بكافة تركيبتها الاقتصاديّة والاجتماعيّة والبيئيّة صحية بشكل أفضل مما يؤثر على الأوبئة المستقبلية ويجعل الناس أقل عرضة للأوبئة وتجنب تبعاته الحادة،وذلك من خلال تطوير المدن القديمة وتحويلها تدريجيا إلى مدينة ذكية بالكامل.

وفي هذا الإطار تعتبر “المدينة الذكية” نموذجا يضمن استمراريّة الحياة في مدينة المستقبل ولمستوى الرفاه الذي يمكن أن يعيشه سكانها، حيث تصبح كل الخدمات متاحة بطريقة سلسة وسريعة، لأن هذه الخدمات ليست هي المبتغى في حدّ ذاته، إنما هي رافعة لتنفيذ الأهداف التي تخدم الإنسان ككيان اجتماعي بالدرجة الأولى في ظل تهديدات الكوارث والأوبئة مع الحفاظ على الموارد والتوازن البيئي وتحقيقا لأهداف التنمية المستدامة.

وعلى هذا الأساس تدرك أغلب دول العالم أنّ التغلب على فيروس كورونا مثلا ليس نهاية المطاف، حيث إن بعض دول العالم تضع خططا لأن لا تتكرر هذه المحنة في المستقبل. ويكمن الحل في تحويل هذه المدن إلى “بلدان ذكيّة”، حتى إذا ضرب وباء جديد، ستستمر الحياة عبر تطبيقات ذكية يمارس من خلالها السكان حياتهم العادية.وبهذا الحل، يمكن أن تستمر عجلة الإنتاج في الدوران عبر تطبيقات وشبكات ذات سرعة عالية.

لا شكّ أنّ تونس من بين أغلب دول العالم التي لا تتوفّر بها بنية تحتية للاتصالات مستقرة، وآمنة، وموثوق بها وقابلة للتشغيل البيني لدعم حجم هائل من التطبيقات والخدمات القائمة على تكنولوجيا المعلومات والاتصالات وهي معرّضة من حين إلى أخر لشبح الكوارث الطبيعيّة أو الصدمات أو غيرها من الأوبئة. لكن العديد من المدن في طريقها إلى أن تصبح مدنا مستدامة وذكية.

وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ المدن الذكيّة تحتاج إرادة سياسيّة ووعيا جماعيا من كافة الفاعلين وأجهزة الدولة خاصة وأنّ البنية التحتيّة الحاليّة لا تزال تعاني من العديد الإشكاليات نظرا لقدمها ولضعف القوانين والإمكانيات الماديّة المتاحة في هذا المجال. إذ لا بدّا من العمل مستقبلا على إرساء مخططات إستراتيجية على المدى المتوسط والبعيد تعتمد على التخطيط الذكي لتقليص المخاطر الصحيّة والأخذ بعين الاعتبار التغيرات المجتمعية المعاصرة.

وأخيرا يمكن أن نقول إن تخطيط المدن والقرى المحكم والمتماشي مع اتجاهات تطور هذا المجال في العالم سيساهم بشكلٍ مباشرٍ في تحسين البيئة الحضرية بشكلٍ عام، والبيئة السكنية بشكلٍ خاص، وهو ما يُعتبر ضروريًا لضمان صحّة ساكنيها. وهنا تبرز أهمية مراجعة المتخصصين في مجال التخطيط الحضري والإقليمي لمفاهيم التخطيط الحضري، ودور المدن الذكية في مواجهة الأمراض المعدية، ودراسة إمكانات إيجاد أقسام أو برامج للتخطيط الحضري الصحي للاستعداد لمواجهة تلك المتغيّرات بفكر تخطيطي متخصص يُحقق أهداف التنمية المستدامة.

[1]أ.د. رياض كاظم سلمان الجميلي ،جامعةكربالء-العراق،المدن الذكية في ظل التغيرات الراهنة (واقع وآفاق)، المركز الديمقراطي العربي للدراسات الإستراتيجية والسياسيّة والاقتصاديّة-برلين-ألمانيا، 2019، ص11.

[2]آديلي بيترز، كاتبة في موقع فاست كامبني،كيف يمكننا إعادة تصميم المدن لمكافحة الأوبئة في المستقبل؟، 2020.

https://www.noonpost.com/content/36467

[3]نصيرة سيد علي، مجلة الحوار الجزائريّة، المدن الذكية هي الحل !، 2018.

https://www.elhiwardz.com/event/131861/

بقلم محمد علي الكردي مخطّط مدن وباحث في التنمية الترابية والتعمير | قسم الإعلام البحثي 2020 ©

 

عن Community Manager

Community Manager

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى