الرئيسية / تدبير / تاجية… تتوجنا بتباعد اجتماعي ؟

تاجية… تتوجنا بتباعد اجتماعي ؟

القوى العالمية التي اتجهت انظار العالم نحوها وخشعت أمام جبروتها عجزت أمام وحدة جرثومية  حقيرة وسلبت العلماء والباحثين قواعدهم ونظرياتهم وشككتهم ثوابتهم العلمية ولو اجتمعوا لها ليستنقذو منها ما سلبتهم من أمن غذائي واستقرار اجتماعي ونسق لحياة يومية.

فمعظم أنظمة دول العالم لم تجد  طريقة للحد من انتشار فيروس كورونا، إلا عبر إجبار مواطنيها على البقاء في منازلهم لفترات غير محددة،  وذلك من خلال فرض الحجر الصحي الشامل  على  جميع المدن وإيقاف جميع الأنشطة والتجمعات وإغلاق أماكن الترفيه وغلق المساجد وإيقاف الأعراس والاحتفالات وحتى تجمعات العزاء واغلاق  جميع الحدود، حتى أن الحكومات شرعت  في تحديد استراتيجية تتأقلم مع المرحلة الوبائية بتحويل التعليم في الجامعات عن بعد وانتقال الكثير من الموظفين للعمل عن بعد في منازلهم، فترة يعيشها العالم تمنعنا حتى من المصافحة والتعامل مع أي انسان بشرط  احترام حدود المتر الواحد خوفا من انتقال الفيروس لجسمك فلا تجد مكانا يسعك ولا فراشا يأويك  في بنية نظام صحي فشل حتى في الدول التي  اثبتت  حنكتها عبر التاريخ في تصديها للأوباء البشرية والكوارث الطبيعية.

تقول إليسا إبل، الأستاذة ونائبة الرئيس في قسم الطب النفسي بجامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو “إن التباعد الاجتماعي يساعدنا على التأقلم والتكاتف معا من أجل إبطاء انتشار الفيروس، خاصة إذا تمكنا من إدارته بشكل جيد  وتؤكد إبل أن التباعد الاجتماعي “يشكل فرصة للتفرد بالذات ومنحها قسطا من الراحة وممارسة الأنشطة المنزلية التي كان الإنسان يتوق لها خلال زحمة انشغالاته اليومية العادية”، وفق ما ذكره موقع “يو إس نيوز” الأميركي

وهنا يسعنا القول  ان دائما هناك شمعة مضيئة وسط عتمة  الليل الداكن، فالتباعد الاجتماعي فرصة  سيتعلم  فيها الانسان الحوار مع نفسه من الداخل وتجعله قادر على فهم ذاته وحياته  أكثر بكثير من أي وقت مضى، فترة العزلة والخلوة سيشعر الفرد فيها بأهمية الوقت وتنظيم الحياة وربما سيعير أكثر اهتماما للجانب الروحاني  وستجعله  أكثر وعياً بأهدافه وأولوياته، وتمنحه الكثير من الوقت لممارسة هواياته  بعيداً عن صخب العالم، فالكورونا تكشف لنا وجها الاخر، فقضاء وقت أطول في المنزل سيمد من جسر الروابط  والتقارب والتواصل الأسري  أو ربما  يمكن من احياء العواطف العائلية  التي اختفت بين طيات نسق الحياة اليومية  بل ستحي فينا ذكريات الزمن الجميل، فترة الحجر الصحي يمكن أن تكون فرصة جميلة لإمضاء وقت أكبر مع العائلة بعيدا عن ضغوطات الحياة .

فترة عزل صحي  هي  أيضا فرصة  لمراجعة عادتنا التي نمارسها دون وعي أو تفكير إذ ستجعل الكثير منا مثلا يغيرون العادات المرتبطة بالثقافة الاستهلاكية،  حيث سيقل الأكل في خارج  البيت ويعتمد الناس على إعداد الوجبات في منازلهم، وسيعي الكثير من الناس بالطرق  أهمية الصحية لاختيار الغذاء   بما يعزز المناعتهم ويحميهم من الأمراض، كما ان اهتمام غالبية الناس بالنظافة الشخصية، باعتبارها من أساسيات لمحاربة الفيروس سيأثر على وعينا الجماعي على بأهمية  المسؤولية   الذي اثر على وعينا الجماعي بأهمية المسؤولية الجماعية ايضا نظافة الفضاء العام والبيئة .

ومن جانبه يقول ريتشارد ديفيدسون، أستاذ علم النفس والطب النفسي في جامعة ويسكونسن ماديسون، إن علينا النظر إلى التباعد الاجتماعي على أنه “عمل سخي نقدم من خلاله الخير لأنفسنا وللآخرين، باعتباره عملا أساسيا من أعمال الكرم”.

ولعل من مكارم هذه الجرثومة الميكروسكوبية  انها ستدفعنا الى التدقيق  في نسق عملنا الذي بدأ  يتحول عن بعد ومن المنزل وذلك عبر الرسائل الكترونية أو اجتماعات افتراضية وقد تساعد نتائج هذه الفترة المؤقتة  في سن قوانين جديدة بالتعاون مع الحكومات والمنظمة الشغيلة من  تطوير سياسات تجعل العمل عن بعد جزءاً من نظام العمل المتعارف عليه والذي قد يقضي على ظلم كثير من أصحاب العمل الرأسماليين  وخاصة الكثير من المعاملات الادارية البالية، والبيروقراطيات القاتلة والتردد غير الضروري على البنوك والحضور المستوجب لإكمال الاجراءات ، والتسريع بعصرنة المعاملات الادارية وتطوريها بحيث يمكن القيام بها  عبر شبكة الإنترنت وتطبيقات الهاتف المحمول وتوفر بذلك  الكثير من الوقت والجهد.

فلعل في التباعد الاجتماعي المفروض تقاربا اسريا ومهنيا وتصالح  نفسيا وجسديا بالإضافة الى نظام صحي سيعتاد عليه العالم  ويسعى للحفاظ عليه قد يصبح مكسب من مكاسب الكورونا.

عن Community Manager

Community Manager

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى