الرئيسية / الحوكمة / السياسات العامة / ورقة تفصيلية حول تجارب المنظومة الوقفية: رصد تاريخي
ورقة تفصيلية حول تجارب المنظومة الوقفية: رصد تاريخي

ورقة تفصيلية حول تجارب المنظومة الوقفية: رصد تاريخي

 

تـــــمـــهيــــد:

تشهد الساحة الوطنية جدلا متواصلا حول مشروع قانون الاوقاف وقد تمّ تداول الموضوع اعلاميّا كما تناقلته النّخب السياسية والجامعية فأردنا ان نرصد بعض التجارب الوقفية في بعض الدول الإسلامية وغير الإسلامية ونتعرّف على حقيقة الجدل المثار حول هذا الموضوع في تونس.

1-    نماذج للمنظومة الوقفية في بعض الأقطار غيرالإسلامية:

 تعدّ التجارب الوقفية تجارب أصيلة عرفتها الحضارات والثقافات القديمة حيث كان العطاء الخيري والإجتماعي (philanthropy private) جزءا أصيلا من ثقافة الحضارات القديمة كاليونان وروما وكذلك الحضارة الإسلامية.

أما في العصر الحديث فتعدّ التجربة الوقفية أحد أبرز روافد العمل الخيري والتنموي.

– التجربة اليابانية:

تعدّ التجربة اليابانية من أبرز التجارب الوقفية في العالم وهي لا تنطلق من أسس دينية بل من عقلية سياسية علمية تنموية. وتخضع التجربة اليابانية للرقابة الحكومية كما أنّ الإعفاءات الضريبية للقيام بنشاطات وقفية خيرية تكون محدودة جدا أو منعدمة أحيانا ونضرب مثلا على ذلك: حيث لم تحصل مؤسسة تويوتا الوقفية Toyota Foundation  التي أنشئت في القرن العشرين من أجل مساندة العلوم الاجتماعية وتنمية المجتمع على أيّ تخفيضات ضريبية من الدّولة.

في سنة 1975 كانت الحكومة اليابانية شبه عاجزة عن حل المشاكل القومية وتغطية الحاجيات الإجتماعية فزادت الحاجة إلى المؤسسات الوقفية  كحلّ جذري لعجز الحكومة مقابل التخفيض في الأداءات الضريبية لبعض الشركات. لذلك نلحظ العديد من الشركات العملاقة والمعروفة اليوم تساهم بإنشاء عدّة مشاريع خيرية وتنموية وتعمل على سدّ العجز الحكومي في اليابان على غرار شركة ميتسوبتشي الكتريك mutsobitshi electric وهوندا موتور honda Motor وسوني sony  كما قامت وزارة التجارة الدولية والصناعة بتشجيع هذه الانجازات حتى أن شركة ميتسوبيتشي قامت ببناء مدرسة للمعاقين .

هذه المنظومة الوقفية اليابانية ساهمت في ترفيع ميزانية البلاد وكانت نموذجا لبعض الدول الأخرى.

– التجربة الأوروبية: بريطانيا نموذجا

بدأت التجربة البريطانية في نهاية القرن السابع عشر الميلادي حيث تمّ جمع جهود العطاء الخيري فيما ما سمي بالمؤسسة الخيرية المتحدة أو مؤسسة العطاء الاجتماعي associated Philanthropy  والتي قامت بانشاء العديد من المدارس والمستشفيات الخيرية. ومع بداية القرن العشرين بدأ في انقلترا انشاء أوقاف كبيرة الحجم من خلال عدد كبير من المساهمين مثل وقف يوبيل الملك جورج وقد استخدم هذا الوقف لانشاء مؤسسات شبابية و انشاء مشاريع جديدة والمركز النموذجي للشباب في لنكولن شاير ومن أبرز المؤسسات الوقفية كانت ويلكام فونديشن welcome foundation

– التجربة الأمريكية:

تعد التجربة الأمريكية الأبرز في العالم المعاصر وتحتل مكانا فريدا من حيث بذل الأموال وتشجيعها على انشاء المؤسسات والمشاريع التنموية.

نذكر بعض الأمثلة: حيث عمد اندراو كارنجي Andrew Carnegie  الى انشاء مؤسسته العملاقة “شركة كارنجي” Carnegie Foundation  كما أسس وديعة كارنجي بالمملكة المتحدة لتحسين أحوال الشعب واختيار المشاريع التنموية الكفيلة بسدّ حاجات الناس.

مثال آخر وهو هنري فورد Henry Ford فقد وضع أسس احد المؤسسات الوقفية العملاقة Ford Foundation حيث تمّ تحويل 90% من أسهم شركته الى المؤسسة الوقفية وذلك تنفيذا لما جاء في وصيته. وقد تمّ استثمار هذه الامكانيات التي رصدتها المؤسسة الوقفية في مشاريع علمية وكذلك استثمارها في رأس المال الاجتماعي لتحقيق التنمية المستديمة.

فتجربة الوقف في الولايات المتحدة الامريكية تجربة ثرية حيث وصلت المنظمات القائمة على الوقف سنة 2005 الى حوالي 1427455 منظمة وقفية. وكذلك العديد من الجامعات الامريكية، نجدها مسنودة اليوم من قبل عائدات المنظمات الوقفية ويأتي على رأس هذه الجامعات جامعة هارفارد والمصنّفة الاولى من حيث ترتيبها العالمي وتتلقى دعم الوقف الذي وصل الى مبلغا قدره 22.6 مليار دولار .

من خلال العرض السريع لبعض التجارب الوقفية الأجنبية نلحظ تطوّرا في هذه التجارب من حيث الكم والكيف. كما لم تقتصر هذه التجارب على مجرّد عطاءات وهبات فرديّة تطوعيّة غير منظّمة بل تطورت إلى صيغ مقنّنة في شكل هيآت ومؤسسات. كما تطورت هذه المؤسسات في أشكالها و أحجامها فضلا عن التطور الهائل في أعدادها دون أن يُحدث ذلك مشاكل قانونية أو تنظيمية حيث قفز عدد هذه المؤسسات في امريكا من 2% في العقد الأول من القرن العشرين إلى 17% في العقد الثاني من نفس القرن.

– التجربة الوقفية في العالم الإسلامي: الكويت نموذجا

برزت التجربة الكويتية كأنجح التجارب الوقفية في الدول العربية الإسلامية و قد أخذت هذه التجربة بعدا مؤسساتيّا إداريّا. و يبرز ذلك من خلال إنشاء “الأمانة العامة للأوقاف” التي اضطلعت بجملة من الأدوار الهامّة في مشاريع التنمية.

انطلقت تجربة الأمانة العامة للأوقاف بصفة رسمية سنة 1993 وكان هدفها المساهمة في دعم المشاريع الاقتصادية والتنموية. كما كان لها دور مهمّ في تلبية حاجيات الشرائح المجتمعية ودعم المشاريع العلمية..

وأموال الوقف ليست متروكة للتصرّف الفردي بل تخضع للتنظيم و المراقبة حتى تؤدي دورها وتضمن وصول عائداتها الى مستحقيها لذلك تعمل الأمانة العامة للأوقاف على قاعدة الشفافية والإلتزام بالضّوابط الشرعية والرقابية. كما تشرف الدولة على مراقبة الأوقاف من خلال مجلس شؤون الأوقاف وهو السلطة العليا المشرفة على شؤون الأوقاف و اقتراح السياسة العامة لادارة أموال الوقف واستثمارها.

3- مشروع قانون الأوقاف في تونس: الجدل القديم الجديد

التجربة الوقفية في تونس تجربة أصيلة عرفتها البلاد التونسية منذ فترات بعيدة ثم اتخذت شكلا منظّما من خلال انشاء “جمعية الأوقاف” التي كانت تدير أموال الوقف. تعرّض نظام الوقف للعديد من الإخلالات وسوء التصرّف بالإضافة إلى المضايقات التي تعرّض لها خلال فترة الإحتلال. في سنة 1894 بدأت أولى محاولات الإستيلاء على جمعية الأوقاف والهيمنة عليها بطرق شتّى وفي سنة 1914 تمّ انهاء العمل بالاوقاف وبسط  الاحتلال هيمنته على كامل عائدات الأوقاف وذلك عبر تطبيق قانون الإلزام.

تواصل التضييق على جمعية الاوقاف مع دولة الاستقلال فبعد شهرين فقط من تاريخ الاستقلال أقرّ الحبيب بورقيبة قانونا ينص على الغاء الاوقاف وحلّ الجمعية العامة للاوقاف بتاريخ 31 ماي 1956.

– مشروع قانون الأوقاف:

يعود موضوع الأوقاف بقوة اليوم على الساحة الوطنية ويثير العديد من ردود الأفعال المؤيّدة والرافضة لمشروع هذا القانون والذي ينص على إحداث مؤسسة عمومية لا تكتسي صبغة ادارية تسمى “الأمانة العامة للأوقاف” كما نص المشروع على ضرورة أن يتم انشاء الوقف عبر قنوات رسمية وبحضور عدول اشهاد ولا يكون بطرق فردية و غير منظّمة كما أكّد المشروع أنّ الوقف لا يكون نافذا ولا تترتّب عليه آثار قانونية الا بعد توثيقه في الامانة العامة للاوقاف… كما نصّ المشروع على أنّ انقضاء الوقف لا يكون الاّ بمحضر يحرّره قاضي الاوقاف ويوثّق لدى الامانة العامة.

وفيما يتعلّق بكيفية استغلال الوقف فهناك العديد من التفاصيل. أمّا المجالات التي يمكن ان تستثمر فيها عائدات الوقف فهي عديدة ومتعيّرة تفرضها حاجيات الناس وطبيعة مشاغل المجتمع.

وما أوضحه مشروع قانون الاوقاف هو انّ عملية الوقف تخضع للضّوابط القانونية ولرقابة الدولة وليست متروكة للتصرّف الفردي.

– ردود الافعال حول قانون الاوقاف:

أثار مشروع قانون الاوقاف جدلا واسعا لدى النّحب السياسية والجامعية وغلب على هذا الجدل البعد الايديولوجي على حساب الاتّزان والقراءة المتأنيّة في فحوى هذا المشروع. وقد تحدّث وزير المالية السابق حسين الديماسي عن تجربة الاوقاف في تونس وقال أنّها كانت “مصدر فساد” وأضاف الديماسي أنّ تمرير مثل هذا المشروع سيكون بمثابة “دولة داخل الدولة” كما اعتبر ان هذا القانون هو ردّة عن مكاسب دولة الاستقلال ومنجزات الحداثة وهو يمثّل عودة للوراء وتنكّرا لقواعد الدّولة المدنية حسب تعبيره.

كما اعتبر المؤرخ عبد الواحد المكني أنّ محاولة احياء ملفّ الاوقاف يتنزّل كمخطّط للثأر من الزّعيم الحبيب بورقيبة  الذي أنهى العمل بالاوقاف منذ السنة الاولى للاستقلال. وفي نفس الاطار صرّح الخبير الاقتصادي عزّ الدين سعيدان أنّ اعادة طرح قانون الاوقاف هو محاولة من حركة النهضة لتوظيفه لخدمة مواقفها السياسية. وفي نفس السياق تحدّثت الاكاديمية التونسية آمال موسى عن هذا القانون بوصفه يمثّل تهديدا لمكاسب تونس الحداثية وهو محاولة من النهضة للتغلغل في النسيج المجتمعي. كما أكد عضو المجلس التأسيسي عن حزب المسار الديمقراطي الفاضل موسى أنّ قانون الاوقاف سيشكّل خطرا على وحدة البلاد وسيدخلنا في ازدواجية قانونية وتنظيمية.

في المقابل أوضح كمال الصيد –المسؤول عن المشروع لدى وزارة الشؤون الدينية- أنّ العمل بالاوقاف ليس خاصيّة تونسيّة بل هو مشروع أثبت نجاعته في العديد من الدّول الغربيّة علاوة على الدول الاسلامية. وساهم الوقف في انشاء العديد من المشاريع التنموية حسب تعبيره.

وفي ردّه على تخوّفات البعض من أنّ الوقف يهدّد مدنية الدولة قال الفرجاني دغمان رئيس لجنة الماليّة والتخطيط بالمجلس التأسيسي “أنّ مسألة الاوقاف ليست مسألة دينية بل هي مسألة مدنية” تساهم في تحرير الحركة الاقتصادية والاجتماعية. وفي ذات السياق تحدث وزير الشؤون الدينية نور الدين الخادمي عن أنّ مقاصد الوقف هي تنموية واقتصادية واجتماعية وهذا ليس فيه تهديد لمدنيّة الدولة بل يعتبر اسنادا لعملها في تحقيق حاجات الناس. من جهته أوضح أحمد بن طالب عضو لجنة اعداد المشروع أنّ هذا المشروع لم يكن خطوة استعجالية ولم يأت من فراغ بل مرّ بعدّة مراحل وتمّت متابعته والتدقيق في صياغة فصوله و يضيف بن طالب أنّه ليس هناك مانعا في تطويره وزيادة تحسينه. من جهته بيّن القاضي أحمد الحافي والمتخصص في القانون العقاري “أنّ مشروع الاوقاف يندرج ضمن المنظومة القانونية والدولة لها كامل الصلاحيّات للاشراف على الاوقاف خاصّة وانّها مؤسّسة عموميّة مثلها مثل بقية المؤسسات”.

وقد أفاض الباحث الجامعي ومدير مركز الفاضل بن عاشور للتنوير سامي براهم في موضوع الاوقاف وتناوله من عدّة جوانب حيث قال أنّه يتفهّم بعض التخوّفات التي يثيرها البعض ولكنّه استهجن “التوظيف السياسوي” لهذا الملف واعتبر أنّ ما يردّده البعض هو بمثابة “الهستيريا” والتخوّف المبالغ فيه وقال انّ ” مؤسسة الوقف مؤسسة مدنية تخضع للرقابة والشفافية” وبالنسبة لاعادة احياء التجربة الوقفية في تونس يشير براهم الى ضرورة “تطوير التجربة وترشيدها وتصحيح مسارها لتجنّب سوء تطبيقاتها… ويكون الوقف منسجما مع قيم الجمهورية ومحققا للمصالح المدنية المشتركة”.

و أدلى الوزير الأسبق السيد مصطفى الفلالي بشهادته التاريخية حول موضوع الوقف في تونس فتحدّث عن أنّ التجربة في تونس تعرّضت لسوء الاستعمال وسوء التوظيف وقال انه كان من الأولى أن يتمّ إصلاح المؤسسة الوقفية والإستفادة من عائداتها لا أن يتمّ إلغاءها والإستغناء عنها كما وصف الفيلالي قانون إلغاء الوقف بـ”العملية الآثمة”.

– خــــــــلاصــــة:

يبقى مشروع قانون الاوقاف معلّقا ويبقى الجدل حول القانون قائما ويبدو انّ ظاهر هذا الجدل هو اختلاف سياسي ولكنّ المحرّك الحقيقي لهذا الاختلاف والتباين في المواقف هي خلفيّات فكريّة وايديولوجية مبطّنة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى