الرئيسية / ديمقراطية / المواطنة الفعالة / المواطنة الفعالة وسائط متعددة / قيس سعيد حول ضمانات عدم عودة الإستبداد في مسودة الدستور

قيس سعيد حول ضمانات عدم عودة الإستبداد في مسودة الدستور

في إطار الإعداد للندوة الدولية المزمع تنظيمها في 15 جوان 2013 للنقاش حول الدستور، أجرت مؤسسة الياسمين حوارا حصريا مع الخبير في القانون الدستوري السيد قيس سعيد حول ضمانات عدم عودة الإستبداد في مسودة الدستور و في ما يلي فحوى الحوار.

  • السؤال الأول : ماهو رأيكم أستاذي الكريم في مشروع الدستور، في صيغته المقترحة الأخيرة، أي النسخة الرابعة ]1 جوان[

أنا لست من هواة إسناد الأعداد، حتى أقول أن هذا نص دستوري يمكن أن يسند له عدد من 1 إلى 20، و ليس هناك نص قانوني في العالم لا يقبل النقاش و لا يطاله النقد و لا يمكن أن يعدل في المستقبل، فكلّ النصوص فيها مزايا، و لكن هناك أضداد على حد تعبير الجاحظ، ‘المحاسن و الأضداد’، أي نص يقبل النقد، و يمكن أن تنظم و سنتنظم بالتأكيد ندوات علمية حول فصل أو حول فقرة داخل فصل، حول ما قدمته و ماهي النقائص و كيف تم تطبيق هذا الحكم الذي أدرج في نص الدستور.

النص من هذا المشروع الذي ستطغى عليه بعض التعديلات به نقائص، ولكن أهم شيء قبل نص الدستور، ماهي فكرة الدستور عند التونسي؟ و عند المؤسسين كما يسمون في النظرية العامة للقانون الدستوري؟

يبدو أن الدستور تقريبا بقطع النظر عن الإضافات التي وردت فيه و بقطع النظر أيضا عن النقائص التي وردت فيه، الدستور دائما في نظر هؤلاء المؤسسين هو أداة للحكم، و هذا هو الخطر، و ليست القضية في الفصول أو في الأحكام، يمكن أن تعدّل يمكن أن تضاف أحكام جديدة، يمكن أن تغير بعض الأحكام التي وردت في المشروع، و لكن ماهو الدستور ؟ هناك مقال في الواقع بين قوسين صدر في السنوات العشرين من القرن الماضي في الصحف التونسية تحت عنوان “يسألونك عن الدستور قل”. كانت هناك سنوات جنون بفكرة الدستور، و تصوّر للدستور أداة لتحقيق الحرية، هكذا يجب أن يكون الدستور، للأسف التجربة الدستورية في تونس و في البلاد العربية بوجه عام أثبتت أن الدساتير وضعت لإضفاء مشروعية على الحكام، بالرغم من أنها تحتوي على كل الضمانات و كل المؤسسات التي من المفترض أنها تؤدي إلى تحقيق مقاصد الدستور، أثبتت أنها أداة بيد الحكام لإثبات مشروعية عليهم، لتبرير قوتهم لتبرير سلطتهم، هذا الذي يجب أن نركز عليه، الدساتير بالرغم من أهميتها و بالرغم من ضرورتها لتنظيم حياتنا العامة بمقتضى هذا النصّ، يجب أن تحمِل فكرا جديدا، و هذا هو الأهم، لا يمكن أن نتحدث عن النقائص أو عن الإضافات، و فيه جملة من الإضافات، و لكن لاحظوا مرة أخرى، النقاش و الصراع اليوم داخل المجلس الوطني التأسيسي، و قلت هذا لأعضاء المجلس في بعض المناسبات، كل النقاش حول السلطة التنفيذية و حول توزيع الصلوحيات بين رئيس الجمهورية و رئيس الحكومة، و كأن الأمر لا يتعلق إلا بالسلطة التنفيذية و بقصر الرئاسة ثم في مرحلة ثانية بقصر الحكومة، السلطة التشريعية تكاد تكون مغيبة، السلطة المحلية و التي هي الأهم تقريبا لا يوجد لها أثر في النقاش في حين أن الديمقراطية الحقيقية في المستقبل هي الديمقراطية المحلية، كيف نبني ديمقراطية من المحلي نحو المركزي، يعني هذه هي القضايا الأهم، كيف يمكن ان يكون الدستور ضامنا، لا ليس بالنص، ليس بالأحكام، لأن الأحكام موجودة حتى اليوم و لاحظوا أيضا المفارقة الكبرى، وضع الحريات في تونس اليوم، في غياب دستور، أفضل بكثير من وضع الحريات في ظل دستور، هو من المفروض أن يحمي الحريات لكن حينما يغيب الدستور هامش الحرية يتّسع، حينما يأتي الدستور مرحلة من الإنفتاح أو شهر العسل يعني الفترة الأولى للدستور، ثم يأتي الإستبداد، في تونس نفس الشيء،كما وقع في الماضي، دستور 1861 قدم على أنه فتح في ذلك الوقت، و سمّي قانون الدولة التونسية من الناحية الرسمية، فرحة كبرى بالدستور، و إضاءة لقصر باردو، و إطلاق الشماريخ في ذلك الوقت، و قيل أنها لرجم الشياطين، كالنجوم التي ترجم الشياطين، لكن بمجرد خروج مظاهرة من جامع الزيتونة، متجهة إلى قصر باردو، تم إلقاء القبض على المتظاهرين و تم تسليط أشد العقوبات عليهم.

دستور 1959، قيل عنه في صحيفة العمل يوم 2 جوان 1959، بعنوان كبير “يوم عظيم تتحقق فيه أم الأماني القومية”، فرحة كبرى بالدستور و لكن خيبة أمل بعد قليل، بعد أعوام قليلة من الدستور، ماذا قدّم الدستور؟ لأنه كان أداة لتبرير الحكم، و ليس أداة لتحقيق الحرية، الخوف كل الخوف أن يكون الدستور القادم هو أداة للحكم و لتبرير هذا الحكم و لإضفاء مشروعية عليه، من ناحية ربما يحتاج إلى بعض التعديل و لكن الأهم هو هذا، الفكر الذي يحمله، بالفعل حينما نبحث عن الضمانات يجب أن تكون الضمانات من خارج المؤسسات التي يجب أن يتضمنها الدستور، قضاء مستقل، ضمانات الحقوق و الحريات، مراقبة دستورية القوانين إلخ.. لكن الضمانات الحقيقية هي حين ماننتقل من دولة القانون أو من الدولة ذات النظام الدستوري، إلى مجتمع القانون، حينما يشارك المجتمع و يساهم في البناء القانوني، حينما يكون مستبطنا لفكرة القانون و يسعى إلى فرضها، ولايكون مستقيلا من الفعل السياسي و من العمل السياسي، أعتقد أن الضمانات الدستورية غير كافية، أذكر أيضا من النحاية التاريخية، لائحة الضمانات الدستورية، سنة 1949 على ما أعتقد، ضمانات طيب و لكنها غير كافية، كما أثبتتها التجربة، يجب أن نفكر بطريقة أخرى مختلفا تماما عن ما كان سائدا في القرون الماضية.

  • السؤال الثاني: ماهو رأيكم في ما يسمى بالفصل الجامع لضوابط الحريات العامة، هل فيه مس حسب رأيكم بالحقوق و الحريات؟

هو لابد من الإحالة للقانون، و لكن القانون يجب أن يبين كيفية ممارسة الحقوق و الحريات التي ضمنها الدستور، فيه نقاش يعني لا يمكن أن يمس من بجوهر هذه الحقوق، أعتقد أن هناك وعيا أيضا من قبل أعضاء داخل المجلس الوطني التأسيسي لتعديله، النصوص التي ستأتي في المستقبل يجب أن لا تفرغ هذه الحقوق و الحريات من مضمونها، و أعتقد أن النص مهما كانت درجة إحكامه و مهما كانت صياغته مرة أخرى غير كاف، والمراقبة ستأتي من طرف المحكمة الدستورية و لكن غير كاف أيضا، لأن المراقبة يجب أن تكون من قبل القضاة المستقلين، السلطة التشريعية أيضا يجب ان تلتزم بالظوابط التي حددها الدستور، هذا كله غير كاف، يجب أن نبحث عن آليات أخرى تمكّن بالفعل من فرض هذه الحقوق ومن أن لا تفرغ من محتواها الحقيقي كما وردت في نص الدستور أو في نص هذا المشروع، و من بين أهم الضوابط هو أن يكون هناك نوع من التنظم خارج المجتمع السياسي من قبل المجتمع الأهلي أو المجتمع المدني الذي يحتاج إلى إعادة تعريف، كلما كان هناك زيغ أو كلما كان هناك محاولات، إلا و تم التصدّي إليها، يعني ضروري أن تكون هناك مراقبة لدستورية القوانين، ضروري الإلتزام بما ورد في نص الدستور، ولكن فرض هذه الحقوق والحريات والتصدي لكل محاولات الإنتهاك، لا من قبل المؤسسات الرسمية، ولكن أيضا من قبل المجتمع المدني، من خارج المؤسسات، هذا ضروري، لاحظوا أيضا في البلدان الغربية، هناك مؤسسات، بعض الأحيان يأتي تأويل أو يأتي قرار، وكما يمكن أن يثير الترحاب و التهليل يمكن أن يثير السخط و التنديد، و لكن دور المجتمع المدني في فرض احترام هذه الحقوق و الحريات أهم بكثير من الإكتفاء بعدد من المؤسسات التي يمكن أن تكون فاعلة و يمكن أن تكون أيضا مؤسسات صورية فارغة من محتواها. أذكر دولة إفريقية مثلا، تم إنشاء محكمة دستورية، في الغابون أعتقد، عن طريق الدفع وإجراءات متطوّرة و لكن بقيت تقريبا هذه المحكمة لا تعمل، في حالة بطالة أو شبه بطالة، لماذا؟ لأنه ليس هناك دفع من الخارج، الدفع من خاردج المؤسسات هو الضامن الأساسي الأول لمثل هذه الحقوق و الحريات، إلى جانب بطبيعة الحال الإجراءات بالتنصيص على جملة من القواعد القانونية بالنسبة للمؤسسات و لكن خارج المؤسسات يمكن أن يكون العمل أكثر نجاعة في هذا الإطار.

  • السؤال الثالث : من المعلوم أن الشروط التي يجب أن يوفّرها الدستور لتنظيم السلطات بما يضمن عدم الجور أو الإستبداد أو من تغول سلطة على حساب سلطة أخرى، هو تحقق مبدأ التوازن بين السلط، هل يحقق مشروع الدستور بصيغته الحالية حسب رأيكم التوازن بين السلط؟

التوازن لا يتحقق بمجرّد التنصيص على الفصل بين السلطات داخل الدستور، و لا بمجرّد التنصيص على الإختصاصات التي تعود لهذه السلطة أو تلك، التوازن لا يتحقق إلا بالتعددية السياسية، يعني دستور تونس 1جوان 1959، كان ينصّ في التوطئة على الفصل بين السلط، و كان هناك فصل بين السلطتين التشريعية و التنفيذية في النصّ، و لكن لماذا غاب التوازن؟ غاب تماما. لا لأن الدستور لم ينصّ على آليات معيّنة، و لكن لأن حزبا واحدا هو الذي سيطر على كل مؤسسات الدولة، و هذه هي القضية، فدستور جوان 1959 لو طبّق في إحدى الدول الديمقراطية لما أدى إلى نفس الديكتاتورية التي كانت قائمة في تونس، العيب ليس في النصّ الدستوري، به عيوب، به نقائص، يعني سلطات واسعة لرئيس الجمهورية، ولكن نظريا كان يمكن أن يؤدي إلى تعطّل سير المؤسسات، كان يمكن لرئيس الجمهورية أن يتقدّم بمشروع قانون للمجلس النيابي فترفضه الأغلبية إن كانت مناوئة لرئيس الجمهورية، و كان يمكن للهيئة التشريعية أن تضع قانونا يتعارض مع سياسة رئيس الجمهورية، لكن هذا في مستوى النصّ، و لكن في الواقع تقريبا كلّ السلطات كانت مجسدة في شخص رئيس الدولة، لأنه هو الذي يرأس الحزب، الذي يسيطر على كل مؤسسات الدولة، لو أتينا بدستور فرنسا أو بدستور بلجيكيا أو دستور السويد و طبّقناه آنذاك في ظل الوضع الذي كان قائما لأدى إلى نفس الديكتاتورية، لأن القضية لا ترتبط فقط بالتنصيص على الفصل بين السلطات، و لا ترتبط بآليات تحقيق التوازن، إنما ترتبط بالأساس بالقوة التي توجد داخل هذه المؤسسات، يعني لو سيطر مرّة أخرى تنظيم واحد على كل مؤسسات الدولة فإن تحقيق آليات التوازن و التوازن المنشود سوف يغيب، و هذه هي القضية الرئيسية ليست في النصّ الدستوري فقط و لكن في التعدّدية السياسيّة و ليست التعددية الحزبية الشكلية، التعدّدية السياسية الحقيقية هي التي يمكن أن تضمن التوازن الحقيقي، الدستور وحده لا يكفي.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى