الرئيسية / غير مصنف / “الرجوعيّة”: ميزة المجتمعات “الآمنة” إنسانيّا والعلاج الوقائيّ لظاهرة التطرّف العنيف.

“الرجوعيّة”: ميزة المجتمعات “الآمنة” إنسانيّا والعلاج الوقائيّ لظاهرة التطرّف العنيف.

يسعى المجتمع الإنسانيّ الحديث –أداته العلم- إلى إنتاج حياة عنوانها المثاليّة والإتقان في أدقّ أجزائها، وأولويّتها ليست تلبية حاجة الإنسان فحسب بل رفاهة عيشه. كلّما قويت قبضة العلم تحكّما في دقائق الحياة كبر ترابط وتداخل العلاقات بينها كونها لا متناهية شديدة التشابك. هذا التّداخل والتّشابك يؤدّي ضرورة إلى قوّة تأثير كبيرة للجزء في سيرورة الكلّ؛ فإذا تعطّل جزء استفحل العطب في الكلّ. لقد وجدت المجتمعات الحديثة ذاتها إذن صوب مفارقة عجيبة؛ كلّما زادت الحياة دقّة ومثاليّة ورفاهة ارتفع مستوى هشاشتها وتعاظم حجم المخاطر التي يمكن أن تؤثّر في استقرارها. يمكن الخلاص إذن إلى أنّ المجتمعات المُعاصِرة أصبحت مجتمعات قلقة على استقرارها، وَجِلةً من عدم قدرتها على مواجهة المصاعب والمحافظة على توازنها في خضمّ منظومة سمتها الحركة السريعة المتشابكة وتبعيّة الجزء للكلّ والكلّ للجزء. سعيا إلى تفتيت هذه الهواجس، انكبّ باحثوا المجتمعات الحديثة على التنقيب على إستراتيجيات عمل هدفها التحسين في إدارة وحوكمة مواطن ضعف المجتمعات المعاصرة، والرّفع من درجة الاستعداد للأخطار المستقبليّة. كما تركّزت الأبحاث على آليّات وأدوات تجعل المجتمع مرنا قليل التأثّر بالضغوطات والاضطرابات التي تُمارس عليه.

الرجوعيّة: من خاصيّة فيزيائيّة للمادّة إلى ميزة ومهارة مُجتمعيّة

2“الرجوعيّة” (résilience) في الأصل خاصيّة فيزيائيّة للمادّة، وقد عرّفها الفيزيائيّون أنّها قدرة المادّة على مقاومة صدمة أو تشوّه. مكّنت هذه الخاصيّة من تقسيم المواد إلى عائلتين: الأولى ذات رجوعيّة ضعيفة وعُرفت بالمواد اللَدنة ((plastique، وهي التي تكتسب شكلا جديدا بعد تعرّضها لقوى خارجيّة. والثّانية ذات رجوعيّة مرتفعة وهي المواد المطاطيّة (élastique) التي تعود إلى شكلها الأصليّ إثر تعرّضها لقوى خارجيّة. بعدئذ توسّع الحقل الدلاليّ لـ “الرجوعيّة” ليشمل مجالات عديدة كالبيولوجيا والاقتصاد والعلوم البيئيّة وعلوم النّفس وعلوم الاجتماع…  وكان تعريفها العامّ في مختلف المجالات أنّها القدرة على مقاومة ومجابهة التوتّرات والمكدّرات المسلّطة على جسم معيّن (ماديّ أو معنويّ) التي تمكّنه من العودة إلى حالة التوازن والعمل بطريقة عاديّة.   لئن كان هذا التعريف الجامع مٌبيّنا للمعنى العامّ للرجوعيّة، فإنّه يجدر الإشارة إلى أنّ الحديث عن الرجوعيّة في كلّ مجال مبنيّ على اعتبارات تتمايز من مجال إلى آخر. ففي علوم الاجتماع، وهي العلوم المختصّة في دراسة المجتمع بما في ذلك تحوّلاته وظروف استقراره، عرّفت “الرجوعيّة” أنّها حالة من المرونة العالية يمتلكها مجتمع ما فتمكّنه من التّعافي بسرعة من حالات التوتّر الناجمة عن الأزمات مختلفة المصدر الواقعة في بيئته. ويمكن التعبير عن رجوعيّة المجتمع أيضا بأنّها قدرته على استرجاع توازنه في بيئة مضغوطة تتّسم بعدم اليقين والتغيّر (1). واُعتُبِرت الرجوعيّة ميزة للمجتمعات المتطوّرة ومحدّدا لجودة الحياة فيها خاصّة في عصر
سمته الهشاشة واللااستقرار (2).

في هذا المقال سنفكّك مجموعة من العوامل التي تجعل من مجتمع ما ذي رجوعيّة ومجتمع آخر “لدِنا” (استعارة عن الفيزياء)، من خلال عرض أمثلة حيّة من مجتمع تونسيّ. وما سنعرضه في هذه الورقة لُبَابَةُ مخرجات أبحاث أكاديميّة وميدانيّة -دامت نحو سنة – قام بها فريق من الباحثين المختصّين من مؤسّسة الياسمين في إطار مشروع “نحو تفعيل مقاربات الأمن الإنسانيّ في تونس للوقاية من ظاهرة التطرّف العنيف”.  شمل المشروع ستّ مناطق موزّعة على خريطة الجمهوريّة التونسيّة.    شارك في فترة البحث الميدانيّ أكثر من 650 ناشط محلّي وأطراف متدخّلة ومواطنين من خلال عقد 56 مقابلة فرديّة معهم. كما نظّمت 12 ورشة ضمّت 300مشاركا من فئات مختلفة وهم الفاعلين المحلّيين والجهويّين وممثّلين من هياكل الدّولة وأئمّة وممثّلين من المجتمع المدني ومن فروع المنظّمات الدوليّة في المناطق المدروسة.

 توصّلت التحليلات البحثيّة للمشروع إلى مجموعة من النّتائج والعلاقات منها علاقة رجوعيّة المجتمع بظهور التطرّف العنيف فيه (استعمل الباحث التونسي ماهر الزغلامي مصطلح “الرجوعيّة” في المقالات التفسيريّة التحليليّة(3) التي صاغها إثر البحث الميدانيّ ضمن المشروع الذي تشرف عليه مؤسسة الياسمين). فكيف برزت هذه العلاقة في مناطق الدراسة؟ وماهي العناصر المساهمة في بروز هذه العلاقة والعناصر المؤثّرة في طبيعتها؟

دور الأمن الإنسانيّ في دعم رجوعيّة المجتمع..

عانت  “تبرسق” –منطقة الشّمال الغربيّ التونسيّ الواقعة في ولاية باجة- ككثير من المناطق التونسيّة على مرّ تاريخ الدولة التسلّطيّة (ما قبل ثورة 17 ديسمبر-14جانفي) من غياب سياسات التخطيط والتنمية التي أدّت إلى تدهور الأمن الإنسانيّ في أبعاده المختلفة. فرغم أنّ حوالي 94% من أرض تبرسق أراض خصبة صالحة للزّراعة فإنّ قطاع الزّراعة لا يشغّل إلّا نحو 30% من اليد العاملة في المنطقة. وهو قطاع مُهمل لغياب السياسات التي تسهر على حسن استثماره كقطاعيّ استراتيجيّ في المنطقة. “تبرسق” -أيضا- ذات موائد مائيّة وافرة، غير أنّ فجوة كبيرة نأت بقيمة هذه الثروة عن مستوى الاستفادة منها ومستوى المحافظة عليها. فإهدار الموارد المائيّة في “تبرسق” في الفترات الأخيرة أدّى إلى تهديد حقيقيّ للأمن المائيّ في المنطقة. رغم تدهور الأمن الإنسانيّ في المستويات السابق ذكرها وفي مستويات أخرى أهمّها التّعليم (نسبة الأميّة تبلغ حدود 30.5%) والتشغيل (نسبة بطالة أصحاب الشّهادات العليا تبلغ 31.4%)، فإنّ “تبرسق” تملك مقوّمات وميزات جعلتها قادرة على مقاومة الضغوطات. فهي مدينة تتالت عليها الحضارات (البونيقيّة والنوميديّة والرومانيّة…). ليفوح عبق التاريخ في أفيائها حيث تنتشر الآثار تحكي قصص القدامى. لقد عزّزت العراقة التّاريخيّة للمنطقة شعور الانتماء لدى أهل “تبرسق” جاعلة رابطتهم قويّة بالأرض. فكان العامل الحضاريّ التّاريخيّ المشترك بين أهل تبرسق محفّزا لنشوء نسيج مجتمعيّ متضامن متماسك وحدته أسرة متماسكة. هذا الأمن الثقافيّ المُوَلِّدُهُ أساسا الشعور الشديد بالانتماء للحضارات العريقة وللتّاريخ الثريّ، وهذا الأمن المجتمعيّ المُنتِجُهُ تماسك مؤسّسة الأسرة جعلا  مجتمع تبرسق متماسك الأواصر متجذّرا في بيئته. إنّ هذا التجذّر العميق وهذا الترابط المحكم لا يمكن أن تربكه التهديدات. يمكن القول إذن -بالاعتماد على تحليلات النّتائج التي قام بها فريق بحث مؤسّسة الياسمين انطلاقا من عمل ميدانيّ بحثيّ منهجيّ مسّ شرائح عديدة ومتنوّعة من مجتمع تبرسق- أنّ المدينة بقيت –فترة إبّان الثورة عندما شهدت البلاد التونسيّة ارتباكات-  بمنأى عن خطر التطرّف العنيف بفضل المناعة المجتمعيّة المكتسبة أساسا من أمن المجتمع في البعدين الحضاريّ والمجتمعيّ.  هذه المناعة مثّلت القوّة الداخليّة للمجتمع التي جعلته محافظا على توازنه في بيئة سمتها اللا يقين؛ وهي ما يُعرفُ بِـ “رجوعيّة المجتمع”.

“بن قرادن”-شقيقة “تبرسق” من الأمّ “تونس”- هي مدينة من ولاية “مدنين” القابعة في الجنوب الغربيّ.  “بن قردان” منطقة حدوديّة مع الجارة “ليبيا” أهملتها الدولة التسلّطيّة فاستبعدتها من دوائر الفعل السيّاسيّ والثّقافيّ والاقتصاديّ. لم يكن لها مشاريع اقتصاديّة كبرى تؤمّن الشغل لأهلها والتنمية في أرضها. كما افتقرت المدينة للمرافق الأساسيّة وأهمّها البنية التحتيّة التي من شأنها أن تشجّع المستثمرين على بعث المشاريع في المدينة. ساهمت هذه العوامل في انتشار البطالة في المدينة (حوالي 18.85 %) وأهمّها بطالة أصحاب الشهادات العليا التي كرّست تعطّل التعليم مِصعدا اجتماعيّا ممّا أدّى إلى توسّع ظاهرة التسرّب الدراسيّ لانعدام الثّقة في جدوى الارتقاء في سلّم التّعليم وبذلك ارتفعت نسبة الأميّة (حوالي 19 %). وجد أهالي “بن قردان” في التّجارة الحدوديّة الموازية وسيلة لتأمين لقمة العيش (وهذا لا ينفي وجود استثناءات استغلّت التجارة الحدوديّة لمآرب تتّسم بالفساد) أمام تقصير الدولة على مرّ عقود في تمكينهم من عدالة اجتماعيّة أساسها منوال اقتصاديّ تنمويّ ناجع.  لقد برزت مدينة “بن قردان” كمثال يُظهر ضعف سيطرة الدولة المركزيّة على تغطية كلّ مجالها ودعمه بمحرّكات التمكين التنمويّ. ساهم اختلال الأمن الإنسانيّ الذي تشهده المدينة منذ عقود خاصّة في الاقتصاد والعدالة الاجتماعيّة والتشغيل، مع الموقع الحدوديّ للمدينة المفتوح على ليبيا التي تتأجّج فيها الحرب في زحف ظاهرة التطرّف العنيف لمدينة بن قردان عندما حاولت جماعات قتاليّة من تونس وليبيا احتلالها وإعلانها إمارة تابعة لتنظيم الدولة وذلك في الشهر الثالث من سنة ستة عشر وألفين للميلاد. لكنّ مجتمع “بن قردان” ثبطّ زحف هذا الخطر مُظهِرًا رجوعيّة مهمّة. تغذّت رجوعيّة مجتمع بن قردان أساسا من مجتمع ذي انتظام تقليديّ يلفظ كلّ خارج عن نواميسه ويصنّفه بالخائن. كما أنّ للمدينة نمط تديّن شعبيّ يرفض مصادر التديّن الخارجيّة ويرفض التطرّف في كلّ أشكاله. فأهل “بن قردان” يمتهنون التجارة الحدوديّة الموازية (ما يعرف بـ “الكُنْترَا”)، لكنّهم يرفضون التجبّر في التهريب وينظروه من يمارسه أنّه خارج على انتظامهم المجتمعيّ التقليديّ. لقد نجح هذا الانتظام في بناء قوّة داخليّة للمجتمع تمكّنه من مقاومة الأخطار الداهمة عليه. هذه القوّة هي الرجوعيّة التي كانت –في حالة “بن قردان” وليدة أمن مجتمعيّ غذّاه الانتظام التقليديّ للمجتمع اللّافظ للخارج عن نواميسه.

                بيّن ما عرضنا أعلاه من تفاصيل حول مدينتي “تبرسق” و “بن قردان” (وهو خلاصة عمل بحثّي زاوج بين الميدانيّ والتحليليّ قام به ثمّ حرّره في ورقات بحثيّة مفصّلة (3-4) فريق مختصّ من الباحثين في مؤسّسة الياسمين) الدّور النّاجع للأمن الثقافيّ الحضاريّ والتّماسك الأسريّ والأمن المجتمعيّ في تعزيز رجوعيّة المجتمع ولفظه لخطر التطرّف العنيف. لكنّ هذا لا يجب أن يدفعنا إلى أن نغفل أهميّة الأمن الاقتصاديّ والتعليم والتشغيل في بناء مجتمع متوازن منتج مزدهر. إذ أنّ تحقّق الأمن الإنسانيّ في أبعاده المختلفة يؤدّي إلى رجوعيّة عالية في وجه التهديدات مهما علت درجتها.

دور تدهور مقاربة الأمن الإنسانيّ في إنتاج مجتمعات ” لَدِنة”..

1“دوار هيشر ” منطقة تنتمي إلى ولاية منّوبة الواقعة في الشّمال التونسيّ والمحاذية للعاصمة تونس.  استقلّت دائرة “دوّار هيشر” عن دائرة “منّوبة-التّضامن” منذ حوالي ثلاث عقود فجعلتها الدولة التسلّطيّة -كغيرها من عديد المدن والمناطق التونسيّة- دائرة مغلقة عن كلّ دوائر الفعل (السياسيّ والاقتصاديّ والثّقافيّ…). فلم تُنشِئ الدولة المشاريع الاقتصاديّة في المنطقة كما غابت سياسات التشغيل فيها ممّا جعل البطالة تتفاقم (%19.5). وبسبب غياب التخطيط في عقل الدولة أدّى توسّع المدينة إلى بروز ضعف السياسات الحضريّة الذي من شأنه الحيلولة دون تطبيق مختلف السياسات التنمويّة في المنطقة. إضافة إلى محدوديّة وسائل التنقّل وترهّل البنية التحتيّة وعدم توفير الدولة فرص وقنوات تمكّن الشّباب من المشاركة في الحياة السياسيّة والثقافيّة الوطنيّة. لقد أدّى كلّ ما سبق إلى ظهور وتنامي التوتّرات الاجتماعيّة التّي سعّرها الشعور بالنّقمة على دولة تَحرمُ وتُقصِي. عبر غياب سياساتها في منطقة “دوار هيشر” مارست الدولة على مجتمعها على امتداد عقود شكلا عميقا من الاستبعاد والإقصاء المُمنهَج الّذي أدّى إلى تفتيت رابطة انتماء أفراده للدولة. تجلّى تفتيت هذه الرابطة إلى انكفاء المجتمع على محيطه الخاصّ ورفض كلّ أمر مأتاه الدوائر الرسميّة بما يعمّق العلاقة الإشكاليّة مع الدّولة ويزيد في قمعها وتهميشها لهذا المجتمع. إذ أنّ ردّ الدولة لهذا الرّفض كان بتسليط القوّة من خلال جهازها التنفيذيّ الأمنيّ ليزيد حنق مجتمع “دوّار هيشر” على دولة استبعدته بهدمها جسر الحوار بينه وبينها وبفشلها في توفير مقوّمات العيش الكريم في المنطقة، ثمّ بتسليطها القوّة في وجه أفراده. فتراكم غضب المجتمع وتنامى لدى أفراده الشعور بعدم الانتماء ليبرز من خلال أشكال مختلفة من التعبير؛ منها التعبير اللّغوّي الذي تمثّل في استنباط لهجة خاصّة بالمنتمين لدائرة “دوّار هيشر”. والتعبير الدينيّ من خلال رفض شكل التديّن الذي تقدّمه الدولة التسلّطيّة مُمارسةً الاحتكار والسيطرة على المساحات العامّة والخاصّة لأفراد المجتمع. ليجد المجتمع نفسه يبحث عن شكل تديّن يعبّر عن رفض الواقع الاحتكاريّ. كلّ الذي سبق جعل المجتمع مؤهّلا ليكون حاضنة للتوتّرات الخطيرة مثل ظاهرة التّطرّف كردّة فعل قويّة على أشكال التسلّط التي تمارسها الدولة. إنّ اختلال مقاربة الأمن الإنسانيّ بكلّ تفاصيلها -في دوّار هيشر- وأهمّها الحضريّ والسياسيّ والروحيّ والاقتصاديّ والفرديّ والمجتمعيّ جعل من المجتمع «لَدُنيَّا” أمام المخاطر المحدقة به في غياب عوامل الرجوعيّة  الذي كرّسه خاصّة الاستبعاد المُسلّط الذي مارسته
الدولة التسلّطيّة على المجتمع على مرّ عقود.

ليس بعيدا جدّا عن “دوّار هيشر”، في الشمال التونسيّ على أرض بنزرت تقع مدينة “منزل بورقيبة” المعروفة قديما باسم “FerryVille ” الذي أطلقه عليها المحتلّ الفرنسي على اسم وزيره”Ferry “. هيّأ المحتلّ الأراضي الخصبة للمدينة وجهّزها بالبنى التحتيّة اللّازمة لاستقرار قادته بعد أن أجلى السكّان الأصليّين للمدينة. وإثر الاستقلال استغلّت دولة الاستقلال المدينة المهيّأة لتركيز المصانع والمعامل التي زُرعت في الأراضي الخصبة الممتدّة فكان هذا من جهة اختراقا للأمن الحضريّ للمدينة، ومن جهة أخرى اسقاطا لمنوال اقتصادي لا يناسب طابع المدينة الفلاحيّ.  تركيز المصانع كان سببا في توسّع المدينة ديمغرافيّا وجغرافيّا حيث تدفّق النّازحون الطالبون للشغل من مختلف جهات البلاد ليتكوّن مجتمع مختلط للمدينة، فتكوّنت أحياء جديدة بلا تهيئة عمرانيّة وبلا بنية تحتيّة مناسبة. فكان سكّان مستقرّون في الجهة المهيّأة ببنية تحتيّة متطوّرة خلّفها المحتلّ، وسكّان آخرون في الجهة الجديدة غير المهيّأة ويفصل بين الجهتين سكّة القطار. لقد أدّى غياب الأمن الحضريّ في المدينة لبروز طبقيّة مجتمعيّة عميقة في المدينة؛ مجتمعان تفصلهما سكّة القطار ببردها وصلابتها. لم يصمد المنوال التنمويّ المسقط طويلا فتحوّلت الصناعات من مؤمّمة إلى مُخَوْصَصَة ليمسّ هذا التحوّل مستويات عديدة في مقاربة الأمن الإنسانيّ أهمّها المستويين الاقتصاديّ والاجتماعيّ. حيث أدّت خوصصة الصناعات إلى تسريح العمّال وانتشار العمالة الهشّة ممّا أدّى إلى غياب آليّات التشغيل الذي تُرجِم اجتماعيّا في انتشار البطالة (16.89%) والفقر وهو ما أدّى إلى تكريس الفوارق المجتمعيّة التي عمّق مشاعر العزلة في المجتمع. هذا المجتمع الذي قام بالأساس على توسّع ديمغرافيّ ومجاليّ ومنوال تنمويّ أسقطته الدولة على المدينة عانى لقرون من غياب الأمن الإنسانيّ. هذا الاختلال أنتجته سياسات الدولة التسلّطيّة غير المنهجيّة وغير الإستراتيجية في التخطيط الحضريّ وفي السياسة وفي الاقتصاد وفي الفلاحة وفي الثقافة… إنّ مجتمعا أنهكته هذه العوامل مختلطة لا يمكن أن يكون ذا رجوعيّة عالية.  كلّ ما سبق تفصيله يبيّن ضرورة إسهام تحقّق مقاربة الأمن المجتمعيّ والأمن الاقتصاديّ في تقوية رجوعيّة المجتمع. إنّ مجتمعا اختلّ فيه الأمن الإنساني يكون مهدّدا حتما باحتضان المخاطر ولا يوفّر ما يشعر الفرد بالأمن والاستقرار النّفسيّ والمجتمعيّ.

رجوعيّة المجتمع؛ مهارة مجتمعيّة تكتسب وتنمو..

3 رجوعيّة المجتمعات تتفاوت من مجتمع لآخر مرتبطة بعوامل متعدّدة تعود أغلبها لتحقّق أو غياب أبعاد الأمن الإنسانيّ. لذا فإنّ تقوية مقاومة المجتمع أمام المخاطر ومنها ظاهرة التطرّف العنيف تكون بالاشتغال على المجتمع وكلّ ما يتعلّق به في مستويات مختلفة عديدة.

فيما يلي بعض التوصيات العاملة على تقوية رجوعيّة المجتمع. عمل على هذه التوصيات الفريق البحثيّ لمؤسّسة الياسمين بالشراكة مع الأطراف المتدخّلين في مناطق الدّراسة. صيغت التوصيات مفصّلة في ورقات بحثيّة عديدة قام عليها باحثون مختصّون.

*عمل هياكل الدولة المعنيّة على تخطيط عمرانيّ حضريّ يعزّز انفتاح المناطق على بعضها بعضا. واستثمار مبدأ الانفتاح في مختلف المجالات (اقتصاديّ، روحيّ، اجتماعيّ….)

*تشجيع الاقتصاد التضامنيّ الاجتماعيّ في المجتمعات ذات الاقتصاد الهشّ، ودعم بعث المشاريع الصغرى للشباب من خلال سياسات ميسّرة ومؤطّرة.

*تبنّي الدولة لبرامج الحوار بين أفراد المجتمع وشرائحه المتنوّعة فيما بينها وبينها وبين صنّاع القرار.

*بعث البرامج الثقافيّة التي تلمس خصوصيّة المجتمع مُعَزِّزة شعور الانتماء لدى أفراده، ومشجّعة على الإبداع.

* الإحاطة باليافعين نفسيّا وتربويّا في المؤسّسات التربويّة العموميّة بمساهمة الأخصّائيّين في هياكل الدولة والمجتمع المدنيّ.

المراجع:

(1) Resilient Societies. UNESCO official website,

 http://www.unesco.org/new/en/culture/themes/culture-and-development/the-future-we-want-the-role-of-culture/disasters/

(2) Roland Benedikter and Karim Fathi, “What is a Resilient Society?”

https://intpolicydigest.org/2017/09/17/what-is-a-resilient-society/

(3) Maher Zoghlemi and research assistant Helmi Toumi. “Rethinking the Concept of Human Security and Its Approaches to Preventing and Combating Violent Extremism in Tunisia.

http://wanainstitute.org/en/publication/rethinking-concept-human-security-and-its-approaches-preventing-and-combating-violent

(4) Maher Zoghlemi and research assistant Helmi Toumi. “The Battle of Ben Guerdane: Between Savagery and Resilience”

 http://wanainstitute.org/ar/publication/battle-ben-guerdane-between-savagery-and-resilience

بقلم خولة الغريبي | قسم الإعلام البحثي 2019 © 

عن Community Manager

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى