الرئيسية / الحوكمة / السياسات العامة / “أكتوبر الورديّ”.. إطلالة على الحالة الصحّيّة في تونس

“أكتوبر الورديّ”.. إطلالة على الحالة الصحّيّة في تونس

 _COVER-ARTICLE--أكتوبر-الوردي

“أكتوبر الورديّ” من أجل حياة ورديّة لنساء العالم..

منذ عام 2006 بدأ العمل دوليّا بمبادرة “أكتوبر الورديّ: شهر التوعية بسرطان الثدي” كسلاح وقائيّ من خطر بارز يهدّد حياة المرأة في العالم أجمع؛ إنّه سرطان الثدي الذي يحصد سنويّا حياة آلاف النّساء ليُحدث شرخا أليما في حياة الأسر ووجعا في مجتمع عماده المرأة؛ مواطنة فاعلة وعامِلة مُنتِجة ومُشارِكة مُبدعة…  يَنتُج سرطان الثدي عن عوامل عديدة لم يتوصّل العلم حتّى اليوم إلى تحديد طريقة تشابكها والآلية التي تتطوّر بها. يحدث هذا المرض عبر نموّ خلايا في الثدي بشكل غير طبيعيّ نتيجة حدوث طفرة أو تغيّر في المادّة الوراثيّة.  عادة ما تكون بداية سرطان الثدي في خلايا القنوات التي تنتج الحليب، كما يمكن أن تنطلق من الأنسجة الغديّة في الثدي. أمّا أهمّ أعراضه فظهور كتلة في الثدي غير مؤلمة عادة تصحبها افرازات صفراء مخلوطة بدم أحيانا تُصدرها حِلمة الثدي التي تشهد تشقّقات أو انكماشات.

سرطان الثدي؛ أرقام ودلالات..

حسب الجمعيّة العالميّة للصحّة فإنّ سرطان الثدي يصيب سنويّا حوالي 1.38 مليون امرأة في العالم، يتوفى منهن قرابة الـ 458 ألفا، أمّا في تونس -وحسب الجمعيّة الوطنيّة لرعاية مرضى سرطان الثدي – فإنّ بين 2500 و3000 حالة جديدة تُسجَّل سنويّا ،11% سنّهم بين 20 و35 سنة. ويعتبر هذا المرض من أكثر الأمراض السرطانيّة شيوعا بين النّساء بنسبة 30%. تشتغل الجمعيّة العالميّة للصحّة بتواصل-من خلال أقطاب مختصّة أهمّها الوكالة الدوليّة لبحوث السرطان- على الاستراتيجيّات والخطط الوقائيّة من سرطان الثدي ليتأكّد في كلّ مرّة أنّ عمليّة التقصّي المبكّر للمرض هي الأنجع لتحسين فرص التّعافي منه، حيث يؤدّي اكتشاف المرض في مراحله الأولى (قبل أن يتجاوز حجم الورم 3صم) إلى الشفاء منه بنسبة حوالي 90%.  بيد أنّ العائق الأساسيّ الذي تواجهه تونس إلى اليوم في مكافحتها لسرطان الثدي هو التأخّر في اكتشاف الإصابة به. منذ 2011 أطلق الديوان الوطنيّ للأسرة والعمران البشريّ بالشّراكة مع وزارة الصحّة مشروعا للتّقصي عن سرطان الثدي من خلال الفحص السريريّ، إلّا أنّ نسبة النّساء اللّاتي يتمتّعن بالفحص لم تتجاوز 20%سنة 2015 وترنو وزارة الصحّة أن تبلغ نسبة النّساء المتمتّعات بالفحص المبكّر 28 %سنة 2019.  وقد بيّنت الإحصائيّات الأوليّة أنّ 3 %من النّساء اللواتي خضعن للفحص تمّ اكتشاف إصابتهنّ بسرطان الثدي ويحملن ورما تجاوز حجمه 3 صم.

تدلّ الأرقام   المعروضة أعلاه أنّ ثقافة التّقصي المبكّر عن المرض ضعيفة الانتشار في تونس ويعود ذلك أساسا لعدم تبنّي السلط العموميّة لخطّة وطنيّة واضحة المعالم حثيثة الخُطى تيسّر الفحوص الوقائيّة لعموم النّساء أين ما كنّ ومهما كانت وضعيّاتهنّ الاجتماعية. ويدلّل هذا عن عدم نجاعة السياسات العامّة للصحّة في تونس نظرا لما يعيشه التونسيّون -حتّى بعد ثورة الكرامة- من ظروف صعبة جدّا في العلاج والتّداوي. فالمستشفيات العموميّة تفتقر إلى عديد التّجهيزات الطبيّة من أجل اجراء تحاليل حسّاسة لحياة المريض، نذكر في حالة سرطان الثدي فحص “الماموغرافيا” الذي يعتبر من أهمّ الفحوص التكميليّة لتشخيص المرض لكنّه غير متاح في جهات كثيرة أو أنّه متاح لكنّ الجهة تفتقر لطبيب أشعّة وهو الطبيب المختصّ المسؤول عن إجراء الفحص. إضافة إلى نقصها في المستشفيات فإنّ المعدّات الطبيّة لا تخضع غالبا لصيانة فنيّة دوريّة ممّا ينتج تكرّر تعطّلها وتعطيلها لفحوصات مستعجلة للمرضى. ليس لهذا السبب فقط تتأخّر مواعيد الفحص والتداوي، بل نتيجة لتباعد المواعيد نظرا للضّغط الديمغرافي على المستشفيات، وانتشار سياسة المماطلة والمحسوبيّة في القطاع العامّ للصحّة. زيادة إلى ما سبق يعدّ شحّ الموارد البشريّة للأطر الصحيّة عاملا حرجًا آخر يواجه التونسيين. فحسب المعهد الوطني للإحصاء (في تقريرها الصادر سنة 2018) عدد الأطبّاء على1000 ساكن بلغ 1.3 طبيبا فقط كمعدّل في سنة 2017. ويجدر الذكر أنّ هذا معدّل عدد الأطبّاء لا يبلغ الطبيب الواحد لأغلب جهات الجنوب والوسط ممّا يحيلنا للتوزيع غير العادل للموارد البشريّة حسب الجهات.

الصحّة؛ مفتاح حياة مُجتمعيّة “ورديّة”..

حسب تقرير حديث لوزارة الصّحة فإنّ السرطان هو ثاني أسباب الوفيات في تونس، وهو مرض ذو انعكاسات متعدّدة الأبعاد؛ صحية واقتصادية واجتماعية، على الفرد والعائلة والمجتمع. لذا فإنّه يتعيّن على الدولة اليوم أن تُوليَ اِنتباهًا خاصّا لهذا المرض المهدّد لمكوّنات مجتمعها متبنّية برنامج وقاية متكامل وشامل، حيث أنّ الوقاية هي الحلّ الأقلّ كلفة ماديّا ومعنويّا للعلاج. ويجدر الإشارة أنّ برنامج الوقاية لا يقتصر فقط على سياسات الصحّة، إنّما يرتبط ارتباطا وثيقا بسياسات الغذاء والمجتمع والبيئة والعمران والاقتصاد والتعليم… إنّ خيارات الدولة في مختلف المجالات الآنف ذكرها يجب أن تتوجّه نحو وقاية الإنسان من التهديدات التي تحدّق بسلامته البدنيّة والنفسيّة. فالأمن الصحيّ للإنسان حلقة مفتاحيّة لتحقيق أمنه الإنسانيّ الشامل. وقاية التونسيّ من الأمراض الأكثر شيوعا وخطورة تكون أساسا من خلال العمل على مجموعة من الخطط الاستراتيجيّة قريبة وبعيدة المدى، نقترح بعضها:

  • عمل السلطة التشريعيّة (البرلمان المنتخب شعبيّا) على قوانين مرنة التطبيق تمكّن المرأة والطبقات المجتمعيّة المتوسّطة وضعيفة الدّخل من تغطية صحيّة واجتماعيّة تؤمّن حياتهم في الأوقات المناسبة دون تأخير وتعطيل.
  • مراجعة سلط القرار خارطة توزّع المراكز الصحيّة المختصّة والمستشفيات والموارد البشريّة ومعدّات الفحص الأكثر نجاعة لاكتشاف الأمراض قبل انتشارها وتطوّر درجة خطورتها.
  • توفير الوسائل الوقائيّة وتوزيعها العادل على مختلف المراكز الصحيّة في البلاد، وذلك عبر مراعاة خصائص الحالة الصحيّة والاجتماعيّة والديمغرافيّة لكلّ منطقة.
  • العمل على تحسين البنية التحتيّة للمستشفيات وظروف الإقامة فيها بما يضمن كرامة التونسيّ في بلاده.
  • توفير آليّات وأطر قانونيّة سلسة تمكّن المواطنين من رفع شكاوى على من يمارس المماطلة والمحسوبيّة في مؤسّسات الصحّة العموميّة.
  • تنظيم حملات التوعية بالأمراض الأكثر خطورة وانتشارا من خلال إرساء خطط استراتيجيّة تضمن حسن سيرورتها في الزّمان والمكان آخذة بعين الاعتبار تفاوت الحالة الصحيّة في جهات البلاد.
بقلم خولة الغريبي | قسم الإعلام البحثي 2019 © 

عن Community Manager

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى