الرئيسية / الحوكمة / الحوكمة المحلية / الحوكمة المحلية مقالات / اللامركزية: كيف يمكننا جعل الحكومات المحلية قابلة للمساءلة؟

اللامركزية: كيف يمكننا جعل الحكومات المحلية قابلة للمساءلة؟

Image-11-620x330

 

Jasmine-foundation – انتصار خريجي، باحثة بمؤسسة الياسمين

كجزء من مؤتمرها السنوي الثالث حول “الحوكمة التشاركية ضمن إطار التحول الديمقراطي في تونس: الأدوار و الوسائل“،  وفي إطار البحث الذي أقوم به بالشراكة مع “بوماد” (POMED)، قامت مؤسسة الياسمين بتنظيم مائدة مستديرة تحت عنوان “اللامركزية: مساءلة الحكومات المحلّيّة” يوم الجمعة 12 جوان 2015 برمادا بلازا قمرت.

افتتحتُ الحصّة بتقديم للامركزية والموضوع المتعلق بها في جلستنا وهو مساءلة الحكومات المحلّيّة. في الواقع لا يوجد تعريف نمطي أو فهم معين لللامركزية لكنها عموما ممارسة دارجة في عديد الدول و ترمز الى “اعادة هيكلة أو اعادة تنظيم السلطة حتى يصير هناك نظام مسؤولية مشتركة بين مؤسسات الحكم على المستوى المركزي و الجهوي و المحلي…” اللامركزية يمكن أيضا ان ينتظر منها أن تساهم في الدعائم الرئيسية للحوكمة الرشيدة مثل زيادة فرص المشاركة في القرارات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، المساعدة على تطوير قدرات المواطنين، تعزيز استجابة الحكومة و دعم الشفافية و المساءلة.

 

Sans titre

في البداية قمتُ بعرض فوائد اللامركزيّة : حكومة محلية أكثر انفتاحا و استجابة و فعالية، مشاركة اكبر من طرف المواطنين و تحسن في نوعية الخدمات، لا سيما بتقريب عملية صنع القرار من المواطنين. من المهم جدّا ملاحظة أنّ اللامركزيّة هي وسيلة من أجل الوصول الى غاية معيّنة و ليست هدفا بحد ذاته، وإغفال ذلك قد يؤدّي إلى نتائج عكسية. ففي بعض الدّول، أدت التجربة إلى زيادة الفساد عندما صارت الحكومة المحلية فريسة للنخب المحلية و المصالح الخاصّة كما تدهورت الخدمات عندما صارت الحكومة المحلية غير قادرة على توفير الخدمات اللازمة. هذا يعني أننا نحتاج أن نأخذ بعين الاعتبار هذه المخاطر في تصميم و تطبيق أنظمة اللامركزية.

المساءلة: مفتاح لِلَامركزية جيّدة:

من أهم مفاتيح نجاح اللامركزية هو ضمان أن تكون الحكومة المحلية قابلة للمساءلة من طرف المواطن. عندما ينتخب المواطنون ممثليهم فهم يعطونهم المسؤولية كوكلائهم. اذن الحكومة مطالبة بأن تقبل مساءلة المواطنين، من مكانها العليّ إلى طبقات الشعب الدنيا. في الواقع، آرون اقراوال و جيس ريبوت من جامعة يال يتفقان على أن “المنافع المفترضة للّامركزية لا تكون متاحة للمجموعات المحلية الا عندما يصير الفاعلون المحليون ذوي السلطة قابلين للمساءلة من أعلى إلى أسفل”. هذه المساءلة هي ما يعرّف و يميّز اللامركزية؛ الحكومة المحلّيّة قابلة للمساءلة من السكان المحليين أسفلهم وليس فقط من الحكومة المركزية فوقهم. من واجبهم خدمة مصالح السكان المحليين و توفير خدمات أفضل و تلبية حاجياتهم و تشريكهم في صنع القرار.

كيف يمكن تحقيق المساءلة؟

السؤال هو كيف نجعل من الحكومات المحلية قابلة للمساءلة؟ ماذا تعني المساءلة؟ و هل الوسائل الحالية المعتمدة في المساءلة كافية أم لا؟

المساءلة تعني ببساطة أنّ صاحب المسؤولية ملزم بإعلام المواطنين حول كيفية استعمال الموارد العمومية و يجب عليه تقديم أجوبة في حال عدم قدرته على الاستجابة لالتزاماته القانونية. يجب أن يكون المسؤولون واعين بأنهم سيتعرّضون للمحاسبة والعقوبة في حالة اخلالهم بمسؤولياتهم.

الوسائل التقليدية للمساءلة تشمل الانتخابات و مراقبة البرلمان و المظاهرات و حملات المناصرة و التتبعات القضائيّة. ولكن يبقى أثر كل هذه الوسائل محدودا في تكريس المساءلة، إذ أنها غالبا ما تستغرق وقتا طويلا لتحقيق هدفها (مثال: الانتخابات مرة كل خمس سنوات) كما تتطلب موارد كبيرة (مثال: كلفة رفع قضيّة ضدّ الحكومة) أو خبرات دقيقة (مثال: حملات المناصرة وحشد التأييد).

إن التونسيين اليوم يملكون فرصة حقيقية لخلق وسائل جديدة من أجل تحقيق المساءلة و تصميم طرق أكثر فعالية و ابتكارا لدعم مشاركة المواطنين. ذلك أن دستورنا الجديد يؤكّد على مشاركة المواطنين عند الحديث عن الحكومة المحلية؛ ينصّ الفصل 139 على أن ” تعتمد الجماعات المحلية آليات الديمقراطية التشاركية، ومبادئ الحوكمة المفتوحة، لضمان إسهام أوسع للمواطنين والمجتمع المدني في إعداد برامج التنمية والتهيئة الترابية ومتابعة تنفيذها طبقا لما يضبطه القانون”. اذن، الحكومة المحلية ملزمة بتمكين المواطنين و المجتمع المدني من المشاركة في إعداد البرامج المحلية بل وحتى من مراقبة تطبيقها.

لكن، من أجل أن يتمكّن المواطنون من المشاركة في مساءلة حكوماتهم، يجب أن تتوفر لديهم المعلومات اللازمة حتى يتمكنوا من المشاركة. تقول دراسة قام بها البنك العالمي في سنة 2014 أنّ 2%  فقط من المواطنين تحصلوا على أية معلومات من بلدياتهم في العام السابق. كيف يمكننا الحديث عن مشاركة المواطنين عندما لا يتمكن المواطن من الحصول على المعلومة من حكومته المحلية؟

الخطوة الأولى نحو المساءلة هي تطوير التواصل و مشاركة المعلومات بين البلديات و المواطن. بدون عملية تواصل وبدون الحصول على معلومات، لا يمكننا الانتقال نحو مشاركة فعالة للمواطنين و مساءلة حقيقية للحكومة المحلية لأن المواطنين ببساطة لا يمكنهم معرفة ما تفعله الحكومة المحلية أو كيف يمكنهم المشاركة.

الحل : النفاذ إلى المعلومة؟

يجب ان تكون مشاركة المواطنين في جعل الحكومات المحلية قابلة للمساءلة مرتكزة على المعلومة بما معناه أن يتوفر حق النفاذ الى المعلومة للمواطنين. عقب الثّورة، تم تقديم مجموعة من القوانين التي تعطي للعامة حق النفاذ للوثائق الادارية للهيئات العمومية (المرسوم 41 و 54 لسنة 2011). مثل أي هيئة عمومية، البلديات ملزمة الآن بتوفير المعلومات للمواطنين و المتعلقة بالتركيبة و التنظيم و السياسات المعتمدة و القرارات الهامة المتعلقة بالعامة و قوائم العملة و مهامهم و نتائج المناقصات العامة و الاحصائيات الاقتصادية و الاجتماعية و كل المعلومات المتعلقة بالمالية العامة بما تتضمنه من مؤشرات اقتصادية كبرى و دين عام و الأصول العامّة و النفقات متوسطة المدى و الميزانيات.

وقد قمت في هذا الصدد بإجراء عدد من المقابلات مع مسؤولين بالبلديات و ممثلين عن المجتمع المدني الذين يعملون في مجال النفاذ الى المعلومة حتى أتمكن من فهم مفعول هذه القوانين الجديدة على مساءلة الحكومات المحلية و مشاركة المواطنين. يمكنني أن ألخّص أهمّ ما توصلت إليه فيما يلي:

  1. لقد صارت البلديات أكثر انفتاحا و تعاونا في مجال مشاركة المعلومة. و من جملة البلديات التي زارها فريق “مرصد بلدية” لجمعية “بوصلة”، هناك ستة بلديات فقط رفضت التعاون بشكل تام.
  2. اتضح لديّ أنّ الجغرافيا لا تصنع فرقا كبيرا. في الواقع مدى استعدادية البلدية وانفتاحها على المشاركة لا علاقة له بالموقع الجغرافي أو مستوى الموارد. البلديات الأكثر شفافية حسب مرصد بلدية هي بلدية برقو (84%) و كسرى (77%) في ولاية سليانة؛ تلابت في القصرين (69%). في حين أنّ البلديات الأقل شفافية هي فريانة (8%) و فوسانة (12%) في القصرين و مكثر في سليانة (12%).

ومع ذلك فلا يمكن إغفال أن البلديات بالمناطق الداخلية تملك موارد مادية وبشرية أقل من مثيلاتها مما يمكن أن يؤثر على مدى سرعة استجابتها لمطالب النفاذ الى المعلومة.

  1. الإرادة السياسية هامة جدا في التمكين من النفاذ الى المعلومة، ذلك أن دعم رئيس البلدية أو النيابة الخصوصية ضروري للغاية. في بعض البلديات، الطبيعة المؤقّتة للنيابات الخصوصية (وهي هيئات مؤقتة بانتظار الانتخابات البلدية القادمة) خلقت نوعا من التردّد السياسي، وغدا العاملون بالبلديات متردّدين بدورهم إزاء مشاركة المعلومة لأنهم لا يريدون اتخاذ أي قرار يمكن أن يؤدي الى مشاحنات مع السلط البلدية.
  2. غياب التوجيهات الداخلية الواضحة حول مشاركة المعلومة يتسبب في رفض غريزي/لاإرادي لمشاركة المعلومة و يجعل موظّفي البلديات مترددين في مشاركة المعلومة لأنهم غير متأكّدين من المسموح بنشره و الممنوع من ذلك. وبالتالي تجدهم يميلون الى الحذر أكثر فيرفضون إعطاء المعلومة.
  3. الحصول على المعلومة يعتمد على مكانة الشّخص: من الأسهل لناشط بالمجتمع المدني محترف بمنظمة غير ربحية أو شخص ما لديه علاقات أو خبرة أن يحصل على المعلومة أكثر بكثير من مواطن عادي.

آخر ما توصّلت اليه يجعلنا نطرح السّؤال : عندما نتحدث عن النفاذ الى المعلومة، من له الحق في هذا النّفاذ و كيف يمكن استغلال المعلومة؟ و بما أنّ موضوعنا هنا هو المساءلة و مشاركة المواطنين، هل من السّليم أن نفترض أن النفاذ الى المعلومة يؤدي بالضرورة الى قدر أكبر من المساءلة و المشاركة الشعبية؟

المقابلات التي أجريتها أفادت أنّه في حين أنّ بعض منظمات المجتمع المدني المجدّدة تتولى القيادة فيما يتعلق بدفع البلديات لمنح المزيد من حق النفاذ الى المعلومة، فإن العامة و المواطنين العاديين أنفسهم ليسوا منخرطين في هذه العملية. ذلك أن عملية الوصول للمعلومة تتطلب مواردا (وقت، مجهود) و خبرات لا يملكها العديد من المواطنين. بالاضافة الى ذلك، عندما تنشر البلديات المعلومة (مثلا : الميزانية، قائمة الموظفين)، هل يهتم المواطن العادي بهذه المعلومة؟ وكيف يستغلها لمحاسبة الحكومات المحلية؟ وهل مجرد اطلاق هذه المعلومات يزيد من مشاركة المواطنين؟ هذه الأسئلة توحي بأنّ الانتقال من الحصول على المعلومة الى المساءلة و مشاركة المواطنين تتطلب بعض القفزات. هذا ما سنكتشفه في المقال القادم “من المعلومة إلى المساءلة“.

 

 

عن وسيم دليل

وسيم دليل

تعليق واحد

  1. الرجاء إعلامنا بالندوات التي تنظمها مؤسسة الياسمين حتى يتسنى تقديم طلب الإشتراك فيها ، مع الشكر سلفا

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى