الرئيسية / الحوكمة / السلطة المحلية بين الواقع و الأفاق
السلطة المحلية بين الواقع و الأفاق

السلطة المحلية بين الواقع و الأفاق

   ينتظر تنزيل مبادئ الحكم المحلي في تونس تحديات كبرى حيث يعتبر البعض أن الباب السابع من الدستور ينتج ثورة جديدة عنوانها الأساسي الديمقراطية المحلية التي تعتبر هاجس يشغل جميع التونسيين نظرا لاعتبارها صمام أمان ضد عودة منظومة الظلم و الاستبداد .

     لقد تميز التنظيم المتعلق بالجماعات المحلية في تونس إلى حدود دستور 2014 بتوجه مركزي قائم على تغليب اللامحورية على حساب اللامركزية مع ضعف إدارة الحكم المحلي .و قد تركز هذا التوجه على العديد من المبرارات أهمها أن الدولة لا تحتمل أكثر من مركز نظرا لأهمية القرار الإداري و السياسي لان بتنوع أساليبه و اختلافه عن الإدارة المركزية يمكن أن يهدد وحدة الإدارة زيادة على إضعاف الميزانية بتعلة أن الدولة غير قادرة على تحمل أعباء المالية المنجرة عن إرساء اللامركزية و التوجه نحو الحكم المحلي بسبب تكرار بعض الوحدات كالمصالح المختصة و الدوائر و الشؤون القانونية والإدارية على المستوى المحلي وإضعاف السلطة المركزية على مستوى التنسيق بين المركز والأقاليم، وبين الأقاليم نفسها، والتي هي من مسؤولية الإدارة المركزية.لقد أدى هذا التوجه إلى انغلاق النظام الإداري المحلي و حصره في النطاق الجهوي و احتكار كل المؤسسات المحلية و الجهوية من قبل نفس النخبة السياسية مع الانفراد بالحكم المحلي واستفحال مظاهر التهميش والإقصاء و غياب الشفافية و الحوكمة المفتوحة وفي ظل غياب الديمقراطية المحلية عجزت السلطة المحلية عن معالجة كل ذلك لأنها لا توفر الإمكانية الضرورية مع ضعف التشريعات القائمة على تشريك المواطن و المجتمع المدني في صناعة القرار الكفيل لمواجهة التحديات المطروحة على الصعيد المحلي .

تتميز الجماعات المحلية في تونس بعمق تاريخيّ حيث أحدثت أوّل بلديّة في 30 أوت 1858ثم في سنة 1989 تم إنشاء المجالس المحلية و الجهوية المنتخبة و التي تضم رؤساء البلديات و نواب الجهة في البرلمان . بعد ذلك توسع التنظيم البلدي وانتشر ليتجاوز عدد البلديات 282 بلديّة رغم ذلك فإن بعض الخبراء يعتبرون انتشار التنظيم البلدي لا يزال ضعيفا حيث أن أكثر من 40% من التراب التونسي و أكثر من ثلث السكان لا تشملهما الخدمات البلدية إضافة إلى ضعف الموارد المالية والبشرية فالموارد الجبائية المحلية لا تفوق 2% من الموارد الجبائية للدولة و أكثر من 80% من الأعوان ينتمون إلى صنف العملة و بالتالي ضعف توفر الكفاءات التي تتركز غالبا في المركز . كل هذه العوائق تركزت نتيجة غياب الإرادة السياسية مع نقص في بعض التشريعات التي تلزم الإدارة و المشرع بنصوص قانونية و مضامين سياسية محددة ترسخ مبادئ الحكم المحلي و تدعم السلطة المحلية و اللامركزية وخلافا لدستور 1959 الذي يعد منقوصا من الفصول المتعلقة بمفهوم اللامركزية و الحكم المحلي فان هذه المفاهيم أصبحت في دستور 2014 مبادئ أساسية للتنظيم الإداري للجماعات المحلية.

   لقد منح دستور الجمهورية الثانية الحكم المحلي مكانة و مقاما متميزا حيث خصه بباب كامل (الباب السابع)عنوانه السلطة المحلية على غرار السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية والسلطة القضائية وذلك لتمكين السلطة المحلية من القوة القانونية والمعنوية اللازمة كباقي السلط الثلاث الأخرى مع تدعيم الجماعات المحليّة بصلاحيات نصص عليها في الدّستور و متمثلة في صلاحيّات ذاتيّة وصلاحيّات مشتركة مع السلطة المركزيّة وصلاحيّات منقولة منها، على أن تُوزّع الصلاحيّات المشتركة والصلاحيّات المنقولة إستنادا إلى مبدأ التّفريع والتي تكون في الأصل من إختصاص السلطة المركزيّة التي تنقلها للجماعات المحليّة في إطار اللاّمحوريّة بمقتضى تفويض بحيث تصبح من قبيل الصلاحيات المحليّة الأساسية .كما أن الجماعة المحلية أصبحت تتمتع بسلطة ترتيبيّة في إطار مهام الضّبط الإداري الموكولة لها بالنصّ القانوني وذلك بالتوازي مع السلطة الترتيبية التي يتمتع بها رئيس الجمهورية و يتم نشرها في جريدة رسميّة للجماعات المحليّة و هو ممّا يُعزّز و يدعم التشريع المتعلق بالحكم المحلّي ويدعم صلاحياته.

   كما ركز دستور 2014 على البعد التشاركي من خلال تدعيم اعتماد المقاربة التشاركية و مبادىء الحوكمة الرشيدة كوسيلة لإدارة الحكم و قد أبرزت عدة تجارب نجاح الديمقراطية التشاركية في تحقيق ديمقراطية حقيقية و فاعلة لحل المشاكل الاقتصادية و الاجتماعية و السياسية بضمان انخراط مختلف أطياف المجتمع من مواطن ومجتمع مدني و سياسي وعدم قصر مشاركة المواطن في المحطات الانتخابية فقط و مزيد من الشفافية في القرارات و تعزيز قيم المواطنة الفعالة و الإحساس بالانتماء إضافة إلى توفير أكثر ضمانات لنجاح المشاريع و تحقيق المشاركة الفعلية التي يمكن اعتبارها عمود الممارسة الديمقراطية. كما تساهم الديمقراطية التشاركية في تنمية الإرادة السياسية لصناع القرار و تطوير التدبير العام من خلال تحقيق ترابط و تكامل بينها و بين الديمقراطية التمثيلية القائمة على انتخاب ممثلين عن المواطنين لفترة معينة.

   عدة مبادرات قامت بها بعض منظمات من المجتمع المدني و بعض البلديات بعثت بالتفاؤل لعديد التونسيين تمثلت في ابتكار آليات كالميزانية التشاركية و بعث المراصد التي تعنى بمراقبة العمل البلدي إضافة إلى اعتماد التشاركية في انجاز المخططات الاستثمارية التي تحقق المساهمة في اتخاذ القرارات باعتماد مبادئ الحوكمة من خلال تحسين طرق المشاركة في وضع القرارات المتعلقة ببرامج التنمية الجهوية أو البلدية و برامج التهيئة الترابية و التخطيط الحضري للمدن.

     تنتقل تونس اليوم إلى المستوى الثاني من المرحلة الانتقالية فبعد فترة التأسيس التي توجت بميلاد دستور الجمهورية الثانية تأتي مرحلة البناء التي تعد صعبة في بدايتها نظرا لعدة ظروف و عوائق إضافة إلى الامتداد الزمني للمرحلة الانتقالية رغم أن النخبة الوطنية خطت أشواط متقدمة في نهج التوافق الذي امن عدة محطات

و أزمات في المرحلة السابقة . يعتبر تنزيل الباب السابع من الدستور اكبر تحدي ينتظره التونسيون نظرا لما أتى به من ترسانة من مبادئ و مفاهيم حديثة تؤسس لتوجه مبني على التشارك و الوفاق في ظل حكم محلي يعتمد المقاربة التشاركية ومبادئ الحوكمة و الشفافية .

   ينتظر تنزيل مبادئ الحكم المحلي في تونس تحديات كبرى حيث يعتبر البعض أن الباب السابع من الدستور ينتج ثورة جديدة عنوانها الأساسي الديمقراطية المحلية التي تعتبر هاجس يشغل جميع التونسيين نظرا لاعتبارها صمام أمان ضد عودة منظومة الظلم و الاستبداد .      لقد تميز التنظيم المتعلق بالجماعات المحلية في تونس إلى حدود دستور 2014 …

عناصر المراجعه :

أهمية الموضوع

10

عن مروان عبيدي

مروان عبيدي
عضو مؤسسة الياسمين، ناشط في المجتمع المدني في مجال الحوكمة المحلية والمقاربة التشاركية

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى